اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

بن لزرق يسأل مرة أخرى: أين ذهبت الإيرادات؟.. بعد أن اتهم الانتقالي بنهبها وضلّل الرأي العام برواية تتهاوى

النقابي الجنوبي/خاص

 

عاد الصحفي فتحي بن لزرق، في منشوره الأخير اليوم، إلى طرح سؤال «أين ذهبت الإيرادات؟» بعد أن قال إن إيرادات الدولة خلال 2026 ارتفعت إلى نحو ثلاثة أضعاف مستويات 2025، في تحول يكشف حجم التناقض في خطابه السابق الذي حمّل المجلس الانتقالي الجنوبي مسؤولية الاستحواذ على معظم إيرادات عدن والجبايات فيها.

وفي فبراير ومارس، لم يقدم بن لزرق اتهاماته للانتقالي باعتبارها مجرد خلاف على إدارة المال العام، بل صاغها للرأي العام باعتبارها تفسيرًا مباشرًا لأزمة عدن الخدمية والمعيشية، متحدثًا عن استحواذ المجلس على نحو 90% من الإيرادات، وعن جبايات قال إنها تدر عشرات المليارات، ووصف ذلك بأنه «نهب منظم».

ولم تكن اتهامات بن لزرق للانتقالي مجرد خلاف مهني حول إدارة المال العام، بل جاءت ضمن خطاب سياسي معادٍ للمجلس، حمّله مسؤولية أزمة عدن واستنزاف مواردها، ودفع بالرأي العام نحو اعتباره طرفًا رئيسيًا في تدهور الخدمات. غير أن تصريحاته اللاحقة بدأت تقوض الأساس الذي قامت عليه تلك الرواية.

بهذه الرواية، جرى توجيه بوصلة الغضب الشعبي نحو الانتقالي، وتقديمه باعتباره الجهة التي تقف خلف استنزاف موارد عدن وتدهور خدماتها. غير أن التطورات والتصريحات اللاحقة لبن لزرق نفسه بدأت تقوض هذه الصورة التي ساهم خطابه في ترسيخها.

فقد أقر لاحقًا بأن الانتقالي انسحب من المواقع التي كانت تُحصّل منها الأموال، وأن الجبايات استمرت بعد خروجه، وأن الأموال لم تعد تذهب إليه.

وهنا لا يتعلق الأمر بتفصيل عابر، بل بالأساس الذي قامت عليه الحملة الاتهامية السابقة. فإذا كانت الجبايات التي اتُّهم الانتقالي بالاستفادة منها لا تزال مستمرة بعد خروجه، وإذا كانت الأموال لم تعد تذهب إليه، فإن إبقاء الاتهام السابق باعتباره تفسيرًا لأزمة الخدمات يصبح موضع مساءلة جدية.

والأكثر دلالة أن بن لزرق نفسه انتقل إلى السؤال عن مصير الأموال تحت إدارة الحكومة، متسائلًا: «إذا كان الانتقالي ينهب الجزء الأكبر منها سابقًا، فما هو العذر الآن وقد صارت بيد الحكومة؟».

وبذلك انقلب السؤال على صاحبه؛ فالخطاب الذي استخدم سابقًا لتوجيه المسؤولية إلى الانتقالي عاد صاحبه اليوم ليطالب بالكشف عن مصير الإيرادات، بعدما قال إن الحكومة أصبحت صاحبة اليد عليها.

وفي منشوره الأخير، قال بن لزرق إن إيرادات الدولة ارتفعت إلى نحو ثلاثة أضعاف ما كانت عليه في 2025، خصوصًا بعد رفع سعر الدولار الجمركي، لكنه أشار إلى أن الرواتب لم تنتظم، والخدمات لم تستقر، وأن المواطن لم يلمس تحسنًا يتناسب مع ارتفاع الإيرادات، قبل أن يسأل: «أين ذهبت الإيرادات؟».

السؤال مشروع في ذاته، لكن قيمته السياسية تتغير عندما يصدر عن شخص سبق أن قدم للرأي العام رواية مختلفة عن الجهة المسؤولة عن الأموال. فبدل أن يحدد الآن أين تذهب الإيرادات، كان خطابه السابق قد حدد سلفًا من اعتبره المسؤول عنها، من دون أن تصمد روايته أمام المعطيات التي أوردها هو لاحقًا.

وهنا تظهر مشكلة أعمق من مجرد التناقض: الرأي العام تلقى اتهامًا سياسيًا مكتملًا، ثم بدأت تصريحات صاحبه نفسه تكشف أن الوقائع لا تسير بالضرورة وفق الصورة التي قدمها.

فإذا كانت الجبايات مستمرة بعد خروج الانتقالي، وإذا كانت الأموال لم تعد تذهب إليه بحسب إقرار بن لزرق، وإذا كانت الإيرادات ارتفعت إلى ثلاثة أضعاف، فإن استمرار تدهور الخدمات لا يمكن تفسيره تلقائيًا بالرواية التي حمّلت الانتقالي مسؤولية الأزمة.

وهذا ما يجعل اتهامات بن لزرق السابقة عرضة لأن تُقرأ بوصفها تزييفًا لوعي الرأي العام بالمسؤولية عن الأزمة؛ إذ جرى اختزال ملف معقد يتعلق بالإيرادات والجبايات والإنفاق الحكومي في اتهام سياسي مباشر للانتقالي، ثم عاد السؤال نفسه ليلاحق الجهة التي أصبحت مسؤولة عن المال.

المفارقة أن بن لزرق لا يقدم اليوم إجابة عن الرواية التي صنعها بالأمس، بل يطرح سؤالًا كان ينبغي أن يكون حاضرًا منذ البداية: أين ذهبت الإيرادات؟

فإذا كان يريد معرفة مصير الأموال التي يقول إنها تضاعفت ثلاث مرات، فإن أول ما يتعين عليه فعله هو إعادة النظر في اتهاماته السابقة، والكشف للرأي العام عن الأدلة التي استند إليها عندما جعل الانتقالي متهمًا رئيسيًا بنهب إيرادات عدن.

أما أن يتحول من اتهام الانتقالي بالاستحواذ على معظم الإيرادات إلى مساءلة الحكومة عن الأموال نفسها، من دون تفسير لهذا التحول، فهو لا يحل التناقض؛ بل يكشفه.

لقد تغيّر السؤال، وتغيّرت الجهة التي يوجه إليها، لكن ما لم يتغير هو حاجة الرأي العام إلى معرفة الحقيقة كاملة: من كان يحصل على الإيرادات، من يحصل عليها اليوم، وأين ذهبت؟

زر الذهاب إلى الأعلى