من يتحدث عن تحرير اليمن وهو عاجز عن العودة إليها .. فحين تتحول معاناة المواطن إلى خطابات منمّقة ؟!!

معاذ فيزان جعفر
تابعت حديث مايسمى برئيس مجلس القيادة الرئاسي عن «الدولة القوية»، و«القرار السيادي»، و«وحدة القوات»، و«استعادة مؤسسات الدولة»، ثم نظر إلى واقعه اليومي، إلى الكهرباء المنهارة، والخدمات المتراجعة، والرواتب المتعثرة، وارتفاع الأسعار، وتدهور العملة، وتفاقم معاناة الناس… فسألت نفسي بسخرية موجعة: أي دولة هذه التي تحدث عنها العليمي، وأين هي السيادة التي نسمع عنها في الخطابات؟!!
ليس من الصعب أن تتحدث من خلف الميكروفونات عن تحرير اليمن وإسقاط الانقلاب، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: إذا كنت رئيساً لمجلس قيادة رئاسي، فأنت قبل كل شيء بحاجة إلى أن تكون قادراً على العودة إلى بلدك، وأن يكون لك قرار فعلي وسيادة حقيقية على الأرض؛ فكيف يمكن إقناع المواطن بأنك ستستعيد دولة كاملة وأنت عاجز عن ممارسة كامل سلطتك داخلها؟
لا ان تكون لاجى في دولة اخرى
هذه ليست إساءة لشخص، بقدر ما هي مفارقة سياسية تستحق أن تُطرح بصراحة. فالدولة لا تُقاس بعدد البيانات والمؤتمرات، ولا بعدد المرات التي نسمع فيها عبارة «القرار السيادي»، وإنما بقدرتها على حماية المواطن، وتوفير الخدمات، ودفع الرواتب، وفرض القانون، وإدارة مواردها، واتخاذ قراراتها من داخل أراضيها.
أما المواطن الجنوبي، فقد أصبح يسمع عن «تحسن الأوضاع» بينما يعيش عكس ذلك تماماً.
في عدن وغيرها من محافظات الجنوب، الناس لا يعيشون على المؤتمرات الصحفية. المواطن يريد كهرباء مستقرة، وماءً، ومرتبات منتظمة، وطرقات، وخدمات صحية، وتعليماً، وأمناً، وفرصاً للحياة بكرامة. يريد أن يعرف كيف سيدفع إيجار منزله، وكيف سيشتري احتياجات أسرته، وكيف سيواجه الغلاء الذي يلتهم دخله المحدود.
والأكثر إيلاماً أن كثيراً من المسؤولين يعرفون جيداً ما يحدث، ويتابعون تفاصيل المعاناة، ويعرفون حجم الاحتقان الشعبي، ثم يخرجون علينا بخطابات طويلة تتحدث عن الإنجازات والتحولات الكبرى، وكأن المواطن يعيش في بلد آخر!
كفى تزييناً للواقع. وكفى بيعاً للأمل بالكلمات. وكفى استخفافاً بعقول الناس.
إذا كانت الدولة قد أصبحت بالفعل أكثر قوة وتماسكاً كما يقال، فليلمس المواطن هذه القوة في حياته اليومية.
إذا كانت المؤسسات قد استعادت عافيتها، فليجد المواطن مؤسسة تحمي حقوقه.
إذا كانت الموارد السيادية تُدار لمصلحة الشعب، فلماذا تتزايد معاناة الناس؟
وإذا كان القرار السياسي والعسكري والاقتصادي قد توحد، فلماذا يبدو المواطن الجنوبي وكأنه آخر من يعلم بما يجري في بلده؟
أما الحديث عن «استعادة الدولة» فلا ينبغي أن يتحول إلى شعار أبدي يُستخدم لتبرير العجز. الدولة ليست مجرد مشروع سياسي مؤجل، وإنما مسؤولية يومية تبدأ من المواطن وتنتهي عنده.
والجنوب تحديداً لم يعد يحتمل المزيد من الوعود. هذا المواطن الذي تحمل الحرب والغلاء وانهيار الخدمات وغياب الاستقرار سنوات طويلة، ليس بحاجة إلى خطابات جديدة، بل بحاجة إلى أفعال يرى نتائجها أمام منزله وفي مدرسته ومستشفاه ومكان عمله.
لقد أصبح الفارق كبيراً بين ما يسمعه المواطن من المسؤولين وما يعيشه في الشارع.
المسؤول يقول: الدولة أقوى.
والمواطن يقول: لكن حياتنا أصبحت أصعب.
المسؤول يقول: المؤسسات تعمل.
والمواطن يسأل: أين الخدمات؟
المسؤول يقول: لدينا موارد.
والمواطن يسأل: أين نصيبنا منها؟
المسؤول يقول: نحن نقترب من استعادة الدولة.
والمواطن يقول: استعيدوا أولاً ثقة المواطن.
ولذلك، فإن المسؤولية السياسية والأخلاقية تقتضي أن تكون هناك شجاعة للاعتراف بالفشل عندما يفشل الأداء، وبالتقصير عندما يحدث التقصير، وبالعجز عندما تعجز المؤسسات عن القيام بواجباتها.
احفظوا ماء الوجه قبل أن يحفظه التاريخ بطريقة أخرى.
إن الاستمرار في تقديم الوعود نفسها، وإعادة الخطابات ذاتها، بينما تتسع دائرة المعاناة، لن يؤدي إلا إلى تعميق الفجوة بين السلطة والمواطن.
وإذا كانت القيادة قد وصلت إلى قناعة بأنها عاجزة عن تحقيق ما وعدت به، فإن الاستقالة ليست دائماً هروباً من المسؤولية؛ أحياناً تكون الاستقالة هي آخر أشكال تحمل المسؤولية السياسية، خصوصاً عندما يصبح الاستمرار في الموقع أقل فائدة للوطن من الاعتراف بالعجز وإفساح المجال لقيادة أخرى.
أما الجنوب، الذي دفع ثمناً باهظاً خلال السنوات الماضية، فلا يستحق أن يكون مجرد ساحة لتبادل البيانات والاتهامات، ولا خزينة مفتوحة تُذكر عند الحاجة، ولا جمهوراً يُطلب منه الصبر في كل مرة.
الجنوبي يريد أن يرى مستقبله بوضوح، وأن يشعر بأن تضحياته لم تذهب هدراً، وأن موارده وخدماته وحقوقه السياسية ليست أوراقاً مؤجلة إلى أجل غير مسمى.
والأهم من ذلك كله: لا أحد يستطيع أن يطلب من المواطن أن يثق بالدولة بينما الدولة نفسها لا تقدم له ما يجعله يثق بها.
أما الحوثي، فلا يمكن هزيمته بالخطابات وحدها، ولا بإعلان أن «الردع قادم» كلما وقع اعتداء، وإنما ببناء دولة حقيقية تمتلك قرارها، وتفرض سيادتها، وتقدم نموذجاً أفضل للمواطن الذي يُطلب منه أن يقاتل ويدافع ويصبر.
فالمعركة على الدولة ليست فقط معركة عسكرية؛ إنها أيضاً معركة ثقة.
فإذا خسرتم ثقة المواطن، فماذا بقي من الدولة التي تقولون إنكم تعملون على استعادتها؟
كفاكم كذباً وضحكاً على الرجال.
فالناس لم تعد تصدق كثرة الكلمات، وإنما تصدق ما تراه في حياتها.
وإن كان لا بد من خاتمة لكل هذه المرحلة، فليكن عنوانها واضحاً: إما دولة حقيقية يشعر بها المواطن، أو اعتراف شجاع بأن هذه الصيغة السياسية لم تعد قادرة على تحقيق ما وعدت به.
أما التاريخ، فلن يحاكم المسؤولين على جمال خطاباتهم، بل على نتائج أفعالهم.
وسيأتي يوم الحساب السياسي والأخلاقي، يوم لا تنفع فيه المناصب ولا البيانات ولا الشعارات، ويقف الجميع أمام عدالة الله في ملكوته، حيث لا حصانة لمنصب، ولا حماية لسلطة، ولا قيمة لخطاب لم يلامس وجع إنسان.
ذلك اليوم هو الموعد الذي لا يستطيع أحد تأجيله.