التصعيد الجنوبي.. ضربة استباقية قبل أن تُكتب ترتيبات المرحلة خلف الأبواب

النقابي الجنوبي/خاص
في الجنوب لا تبدو الشوارع مقبلة على الهدوء، ولا توحي التحركات السياسية بأن المرحلة القادمة ستكون امتداداً لما سبق، ثمة موجة تصعيد تتشكل على امتداد المحافظات، عنوانها المعلن رفض الوصاية، ومضمونها السياسي إعادة القضية الجنوبية إلى قلب مشهد تتزاحم فيه الصفقات، وترتسم على أطرافه خرائط المرحلة.
من محافظة إلى أخرى، خرجت القيادات المحلية للمجلس الانتقالي الجنوبي بإعلان موحد للتصعيد الشعبي السلمي عقب لقاءات تشاورية موسعة أقرت برنامجاً ثورياً للمرحلة القادمة في مواجهة محاولات إعادة قوى الاحتلال اليمني وفرض أشكال جديدة من الوصاية على شعب الجنوب.
توقيت التصعيد وحده يحمل أكثر من دلالة، فالجنوب يقف على أرض سياسية شديدة الاهتزاز بينما التوتر العسكري بين ميليشيات الحوثي والسعودية يتصاعد، فيما تتشابك الخلافات داخل المعسكر المناهض للحوثيين، وتتحرك ملفات التفاوض والأسرى والترتيبات السياسية في مسارات غامضة تعيد توزيع الأوراق من جديد.
في قلب هذا المشهد سارعت القوات المسلحة الجنوبية إلى نفي صدور أي بيان بشأن المشاركة في عمليات عسكرية ضد ميليشيات الحوثي في أراضٍ شمالية، مكتفية بصمودها واستبسالها دون غيرها في الجبهات الحدودية على طول امتداد الحدود على خارطة ما قبل مايو عام 90، مؤكدة أن ما يتم تداوله عبر منصات التواصل والمنسوب إلى المؤسسة العسكرية عارٍ عن الصحة جملة وتفصيلاً.
وليس النفي في توقيته تفصيلاً لحظياً، فبينما تتجه الأنظار نحو احتمالات اتساع المواجهة مع الحوثيين يبدو الجنوب حريصاً على ألا يدفع عسكرياً إلى معركة تحدد أهدافها خارج حساباته أو تتحول قواته إلى ورقة في صراع لا يمنح قضيته موقعها السياسي الذي يطالب به، فالشمال أولى بتحريره القوى والأحزاب اليمنية.
هنا تحديداً يمكن قراءة التصعيد الجنوبي كمحاولة لرفع كلفة تجاوز الجنوب سياسياً، وإرسال رسالة بأن أية ترتيبات قادمة لن تمر بهدوء إذا قامت على إعادة إنتاج القوى القديمة أو صياغة المستقبل بعيداً عن تطلعات الجنوبيين.
الذاكرة الجنوبية المثقلة بتجارب الحروب والتسويات تنظر بريبة إلى كل ترتيب يصنع خلف الأبواب المغلقة وتدرك أن خرائط النفوذ لا ترسم دائماً في ساحات القتال، بل قد تحسم على طاولات التفاوض حين يغيب أصحاب القضية عن مقاعدها؛ لهذا فالشارع الجنوبي حين يتحرك يرفع سقف الساسة، وفي الوقت ذاته يرفع سقف التوقعات، وما بعد إعلان التصعيد لن يكون كما قبله، إذ ستصبح قدرة القوى الجنوبية على الحفاظ على تماسكها وتوحيد خطابها وإدارة حراكها هي المعيار الحقيقي لفاعلية هذه المرحلة.
الجنوب إذن على موعد مع اختبار جديد بين مشهد يزداد اضطراباً وصفقات تتحرك في الظل وموازين تأثير تتبدل سريعاً، وبين كل ذلك يتقدم التصعيد الجنوبي على الواجهة حاملاً رسالة سياسية مفادها أن الجنوب لا يريد أن يكون هامشاً بل طرفاً رئيسياً يفرض قضيته حين تبدأ كتابة الفصل القادم من النزاع.