اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

من ضلل الرأي العام في ملف اغتيالات أئمة عدن؟.. صفقة تبادل الأسرى مع الحوثيين تعيد فتح القضية

النقابي الجنوبي/خاص

 

في التاسع من يوليو 2026، نُقل المدان علي محمد هادي من سجن المكلا إلى العاصمة عدن. لم يكن هذا النقل إجراءً لوجستيًا روتينيًا، بل كان الشرارة التي أعادت فتح ملف ظل لسنوات أسير رواية واحدة، روجها حزب الإصلاح بإصرار: المجلس الانتقالي الجنوبي ودولة الإمارات يقفان وراء اغتيال أئمة وخطباء المساجد في عدن. ظل الرأي العام يتلقى هذه الرواية وكأنها حقيقة لا تقبل النقاش. لكن تفاصيل ما جرى أخيرًا تدفع إلى سؤال مضاد: إذا كان القاتل الحقيقي في طريق الصفقة إلى الحوثي، فمن الذي ضلل الرأي العام طوال هذه السنوات؟ ولماذا؟


القاتل في صفقة حوثية


المدان الرئيسي في اغتيال الشيخ السلفي مبارك عوض ذيبان صدر بحقه حكم الإعدام من المحكمة الجزائية، بموجب الحكم رقم (91) في القضية الجنائية رقم (38) لعام 2024. وقد نُقل من سجن المكلا إلى عدن، لا لمحاكمة جديدة، بل تمهيدًا لإدراجه ضمن كشوفات تبادل أسرى مع مليشيا الحوثي، بحسب ما أفاد به والد الضحية نفسه، اللواء عوض ذيبان.

متهم ثبتت إدانته قضائيًا باغتيال داعية سني سلفي بعبوة ناسفة، يُراد إطلاق سراحه في صفقة مع الحوثي. وإذا كان القاتل حوثيًا أو محسوبًا على الحوثي، فإن الاتهامات التي ظل حزب الإصلاح يوجهها طيلة سنوات للإمارات والانتقالي تصبح، ببساطة، بلا معنى.


فيديو سابق يعود إلى الواجهة


لم تكن هذه الواقعة مفاجئة لمن تابع خطاب الطرف الآخر. ففي فيديو سابق بُث قبل عام، توعد القيادي العسكري المحكوم عليه بالإعدام قضائيًا في قضايا اغتيالات وتفجيرات، أمجد خالد فرحان – الإخواني سابقًا والحوثي حاليًا – من داخل صنعاء بإطلاق سراح رفاقه المدانين بقضايا إرهابية من السجون في عدن، قائلًا: “والله ثم والله أننا لن نترككم، ولو طال الزمن أو قصر، ستخرجون شامخين قريبًا جدًا، والعهد والوعد بيننا، أن ننفذ هذا الذي وعدناكم وعاهدناكم فيه أو نهلك دونه”.

وفرحان موصوف في تقارير أمنية بـ”مهندس التفجيرات” في المحافظات الجنوبية. شغل سابقًا منصب قائد لواء النقل في قوات الشرعية، وارتبط طويلًا بحزب الإصلاح الإخواني قبل أن ينتقل إلى أحضان الحوثيين. والرجل الذي يهدد من صنعاء بإطلاق سراح سجناء في عدن، لا يمكن أن يكونوا إلا عناصره. وإلا، فلماذا يعد بالإفراج عنهم أصلًا؟


من عدن إلى شبوة… الرواية تتكرر


اغتيال الداعية مبارك عوض ذيبان في شبوة ليس حادثًا منعزلًا، بل امتداد لملف اغتيالات دعاة عدن. الضحايا في الحالتين من التيار السلفي، خصوم فكريون للإخوان والحوثيين على حد سواء. ففي عدن عام 2017، روّجت جهات إعلامية محسوبة على حزب الإصلاح وثائق مزورة تحمّل القيادي الجنوبي هاني بن بريك مسؤولية اغتيال الداعية سمحان الراوي. وفي شبوة، بعد اغتيال ذيبان، ركزت مواقع إخوانية اتهاماتها على الإمارات والمجلس الانتقالي، متجاهلة أن المحكمة الجزائية أدانت لاحقًا عناصر ثبت تورطهم في الاغتيال، وهم أنفسهم من يُراد الإفراج عنهم اليوم.

هذا التطابق ليس مصادفة. يراه المحلل السياسي ياسر اليافعي بوضوح: “من اتهم الإمارات بالأمس، يسعى اليوم للإفراج عن القتلة الحقيقيين”. وقد تكرر المشهد نفسه في قضية اغتيال اللواء ثابت جواس، حيث جرى استغلال دمه سياسيًا لاتهام الإمارات، قبل أن تكشف صفقة التبادل أن المتهمين الحقيقيين محسوبون على الحوثي.

ويصبح السؤال الذي يطرحه الكاتب الصحفي علي سيقلي سؤال التقرير نفسه: “إذا كانت هذه المعطيات صحيحة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس: من نفذ الاغتيالات؟ فحسب، بل: من ضلل الرأي العام طوال هذه السنوات؟ ومن يتحمل المسؤولية الأخلاقية والسياسية عن حملات التشويه التي استهدفت المجلس الانتقالي والإمارات دون أن يقدم للرأي العام دليلًا قاطعًا يثبت صحة اتهاماته؟”


رفض شعبي يعرقل الإفراج عن المدانين


في مواجهة هذه المعطيات، قادت أسر الضحايا حملة احتجاج واسعة، وحمّلوا سلطات الأمر الواقع في عدن والوصاية السعودية مسؤولية إدراج محكومين في قضايا إرهابية ضمن صفقات التبادل، معتبرين ذلك “تجاوزًا لحقوقهم وضربة لمسار العدالة”. وقد واجهت الصفقة رفضًا قبليًا وشعبيًا واسعًا أدى إلى إعلان تأجيلها، لكن هذا التأجيل لا يبدو نهاية لها. كثيرون يرون فيه محاولة لامتصاص الغضب وذر الرماد في العيون، ريثما يُعاد تمريرها في توقيت أكثر ملاءمة.


الحقيقة تعود لمحاكمة الرواية


اليوم، لم تعد القضية مقتصرة على هوية القتلة. الرواية التي سادت لسنوات باتت هي الأخرى في قفص الاتهام. فبين الأحكام القضائية، وكشوفات التبادل، وعودة تسجيل أمجد خالد إلى الواجهة، فُتح الباب أمام سؤال مؤجل: هل استندت الاتهامات التي صاغت وعي الرأي العام لسنوات إلى أدلة قاطعة، أم إلى روايات لم تصمد أمام ما تكشفه الوقائع تباعًا؟

زر الذهاب إلى الأعلى