#السعودية بين فك الحصار عن اليمن وملطام الحوثي

علي سيقلي
في اليمن تحديدا، لا يوجد شيء اسمه نهاية للأزمات، بل هناك تحديث جديد للأزمة نفسها. وكما يحدث في تطبيقات الهواتف، كلما ظن الناس أن المشكلة انتهت، ظهر إشعار يقول: “تم إصلاح بعض الأخطاء… وإضافة أخطاء جديدة.”
لسنوات طويلة، كان الحديث يدور حول الحصار، والموانئ، والمطارات، والوقود، وكأن اليمن أصبح حقيبة تُفتح وتُغلق بحسب جدول الاجتماعات الدولية. وكلما اقترب الناس من الأمل، اكتشفوا أن الأمل نفسه يحتاج إلى تحديث جديد مع رسم إشتراك شهري.
المفارقة أن المواطن اليمني لا يعرف اليوم هل يفرح لأي انفراجة أم ينتظر البيان الذي يشرح له لماذا لا ينبغي أن يفرح بعد.
أما الحوثي، فقد أتقن لعبة الظهور بمظهر المنتصر في كل الأحوال؛ فإن اشتد الضغط قال إنه صامد، وإن خفّ قال إن خصومه تراجعوا. يشبه الطالب الذي يرسب في الامتحان ثم يخرج ليقنع زملاءه بأنه هو من أعطى الأسئلة للمدرس!
وفي المقابل، تبدو السعودية وكأنها تمشي فوق حبل مشدود؛ خطوة نحو التهدئة يقابلها سيل من التحليلات، وخطوة نحو التصعيد يقابلها سيل آخر، حتى أصبح المحلل السياسي يعمل بنظام المناوبات أكثر من موظف الطوارئ.
أما المواطن اليمني، فلا يعنيه كثيرًا من انتصر في نشرات الأخبار، بقدر ما يعنيه أن ينتصر على فاتورة الكهرباء، وأن يجد الديزل دون أن يبيع كليته، وأن يسافر دون أن يشعر أنه يهاجر إلى كوكب آخر.
المشهد كله يشبه مباراة ملاكمة غريبة؛ الجمهور هو الذي يتلقى اللكمات، بينما المتنافسون يتبادلون الابتسامات كلما اقترب موعد التفاوض.
وفي كل مرة يُقال إن الحصار إلى زوال، يخرج من يسأل: جميل… لكن هل ستزول معه طوابير المعاناة؟ وهل سيعود الراتب من المنفى؟ وهل ستتذكر الخدمات أن لديها مواطنين؟
لقد تعب اليمنيون من لغة الانتصارات التي لا تنعكس على موائدهم، ومن البيانات التي تشبع الشاشات وتُجوع البطون. فلا قيمة لأي انفراجة إذا بقي المواطن محاصرًا داخل أزماته اليومية.
في النهاية، يبدو أن اليمن أصبح الدولة الوحيدة التي يمكن أن يُعلن فيها فك الحصار… بينما يظل المواطن محاصرًا بالغلاء، وانقطاع الخدمات، وضيق المعيشة. وكأن الحصار الحقيقي لم يكن يومًا على الموانئ، بل على حياة الناس نفسها.
فالسياسة قد تتصافح، وقد تتخاصم، وقد تعقد الصفقات… لكن المواطن وحده هو الذي يدفع ثمن جميع السيناريوهات، سواء انتهت بالسلام أم استمرت بالـ”ملطام”.
في السياسة، هناك أخطاء تُرتكب مرة واحدة، وأخطاء تتحول إلى نهج كامل. وعلى مدى أحد عشر عامًا، ظل الحديث يتكرر عن الحسم العسكري، حتى بدا الحسم نفسه وكأنه وعد يتجدد أكثر مما يقترب.
خلال تلك السنوات، لم يكن الحوثي وحده من يقاتل، بل كانت الأخطاء تتكفل أحيانًا بمنحه ما عجزت عنه المعارك. فبينما كانت الجبهة الرئيسة في الشمال، شهد الجنوب خلافات وصراعات بين أطراف كان يُفترض أن تتوحد في مواجهة خصم واحد، الأمر الذي انعكس على توازنات المعركة، ومنح الحوثي مساحة أوسع لتعزيز حضوره السياسي والعسكري.
واليوم، وبعد أكثر من عقد، تبدو المفارقة لافتة؛ فالطرف الذي قيل مرارًا إنه يقترب من نهايته، بات يوجه رسائل التهديد، بينما لا يزال الحديث عن الحسم يتكرر بالعبارات نفسها.
وإذا كانت المعارك تُقاس بنتائجها، فإن الدبلوماسية تُقاس أحيانًا برمزيتها. وقد أثار المشهد الذي رافق مراسم العزاء في طهران نقاشًا واسعًا، بعدما رأى عدد من المراقبين أن الآيات التي تليت أثناء استقبال الوفود حملت دلالات سياسية مختلفة. فهناك من قرأ في ذلك رسائل رمزية تعكس طبيعة العلاقات وموازين اللحظة، فيما اعتبر آخرون أن الأمر لا يتجاوز السياق البروتوكولي المعتاد. وفي كل الأحوال، فإن مجرد اتساع هذا الجدل يكشف حجم الحساسية التي باتت تحيط بكل تفصيل في المشهد الإقليمي.
لقد علمتنا السياسة أن الرسائل لا تُكتب دائمًا بالحبر، بل قد تُقرأ في ترتيب المقاعد، أو في لغة الجسد، أو في الكلمات المختارة بعناية. وما يلفت الانتباه ليس الحدث وحده، بل الطريقة التي تُستقبل بها رسائله، وكيف يقرأها الخصوم والحلفاء على حد سواء.
أما المواطن اليمني، فلا يعنيه كثيرًا من كسب نقطة في سجال السياسة، بقدر ما يعنيه أن تنتهي سنوات الحرب، وأن تتحول لغة التهديد إلى لغة حلول، وأن يرى بلده يخرج من دوامة الصراع التي استنزفت الجميع.
فبعد أحد عشر عامًا، لا يبدو السؤال الحقيقي: من انتصر؟ بل: هل تعلّم الجميع أن الحروب الطويلة لا تُنتج منتصرين بقدر ما تُنتج أوطانًا منهكة، وشعوبًا دفعت من أعمارها أكثر مما دفعته الجيوش من ذخائر؟