نساء تعز في قلب الفوضى.. قصة رعب يومي يهدد حياتهن ومهنتهن

النقابي الجنوبي/ تقرير/ خاص
في أحد شوارع حي كلابة بمدينة تعز، لم يكن الحجر الذي رماه طفل من على الرصيف سوى شرارة كادت أن تُطفئ حياة طبيبةٍ وابنتها.
الدكتورة عزيزة شرف، التي تقضي يومها بين عيادتها وبيتها، لم تكن تتوقّع أن احتجاجها الهادئ على رمي الحجر — الذي أصاب وجهها — سيُجرّها إلى كابوس لا يُنسى.
بعد نصف ساعة من الحادثة، وعند مرورها بنقطة عسكرية قرب صالة الروضة في زيد الموشكي، أوقفها مسلحان ينتميان إلى الكتيبة الثالثة في اللواء 170 الخاضعة لسيطرة حزب الإصلاح. لم يلتفت أي منهما لسؤالها عن سبب توقيفا بل انقضّ عليها مباشرة. أطلقا النار على إطارات السيارة، ثم على مقدمتها، قبل أن يصوبا أسلحتهما داخل المقصورة. زجاج يتطاير، صرخات تعلو، وابنتها تتمسّك بيدها مرتعشة، بينما يلوح أحد المعتدين بسلاحه قرب رأسها ويصرخ:
“أنا والد الطفل، وما فعلته الآن عقاب لك لأنك اشتكيتِ بابني!”
الرعب لم يكن فقط في الرصاص، بل في العجز، وفي شعورك بأنك لا تملكين حق الشكوى، ولا حتى حق الحماية.
حضر قائد الموقع الأمني، وسحب أسلحة المعتدين، واعداً بتسليمهم للعدالة وتعويض الأضرار. توجهت الأسرة لاحقًا لتقديم شكوى رسمية إلى قسم شرطة عصيفرة، حيث وُثّقت الأضرار وعاينت الشرطة السيارة. لكن الوعود، كما اعتاد سكان تعز، ذهبت أدراج الرياح.
الجناة، جمال الملقب بـ”الجمرة” ورضوان الملقب بـ”شمهان”، لم يُسلّما للشرطة. احتجزا لبضعة أيام داخل لواء 170، ثم أُفرج عنهما، ليظهرا بعد ثلاثة أيام في الحي نفسه، كأن شيئاً لم يكن. الملف، ككثير من الملفات التي تخصّ نساء تعز، يراوح مكانه بين مماطلة وتواطؤ ومحاولات طمس.
ليست هذه الحادثة استثناءً، بل جزءٌ من نمط يومي تعيشه نساء تعز.
طبيبات، معلمات، موظفات، وربات بيوت… جميعهن يمشين في شوارع المدينة وكأنهن يعبرن حقل ألغام. لا حماية قانونية تُردع، ولا سلطة أمنية تُشعرهن بالأمان. كل خطوة خارج المنزل تحمل سؤالاً صامتاً: “هل سأعود سالمة؟”
النساء هنا لا يُهدّدن فقط بالسلاح، بل بالسُّمعة، بالتهديد الاجتماعي، وبغياب الدولة.
الخوف لم يعد شعوراً فردياً، بل جماعياً. تغيّرت مسارات العودة من العمل، تراجعت ساعات الدوام، وأصبحت بعضهنّ يرفضن الخروج ليلاً أو حتى في النهار إن لم يكن معهنّ مرافق. المهنة التي كنّ يفخرن بها صارت سبباً للقلق، لا للإنجاز.
وما حدث لاحقاً لافتهان المشهري، التي اغتيلت في وضح النهار، لم يكن سوى تأكيد مرعب على أن التهديدات ضد النساء في تعز ليست “كلام فارغ”، بل قد تنتهي برصاصة لا ترحم.
اغتيالها لم يأت من فراغ، بل من نفس البيئة التي تسمح لرجل أن يطلق النار على طبيبة لأنها اشتكت من حجر ألقاه طفل.
ما يجري في تعز ليس مجرد انفلات أمني، بل انهيار لمنظومة الحماية التي من المفترض أن تُحيط بالمرأة، خصوصاً حين تختار أن تكون فاعلة في مجتمعها.
الدكتورة عزيزة لم تطلب سوى العدالة. ابنتها لم تطلب سوى أن تعود إلى بيتها دون أن ترى أمّها تنزف من وجهها.
لكن في مدينة تُدار بالسلاح لا بالقانون، تصبح العدالة رفاهية، والحياة اليومية مغامرة.
والقصة، بكل أسف، لا تنتهي هنا.
هي تُروى كل يوم، في كل شارع، في كل زقاق، في كل عيادة، في كل مدرسة.
وطالما بقي الصمت سيد الموقف، فسيبقى الرعب هو اللغة الوحيدة التي تُفهم في شوارع تعز.