اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.
مقالات الراي الجنوبي

“الوحدة المقدسة: كيف حول التكفيريون السياسة إلى دين جديد”

كتب/ مروان قائد محسن

يبدو أن العالم أصبح يعج بالفتاوى التي تنهمر علينا كالمطر، ولا يفوتنا إلا أن نشهد آخر ابتكار في عالم الفتاوى التكفيرية، واليوم جاءت الوصفة السحرية من القيادي الكبير في حزب الإصلاح اليمني، محمد ناصر الحزمي، الذي قرر ببساطة أن الوحدة مثل الصلاة، وإذا فكرت للحظة في مطالبة الجنوب بالانفصال، فقد أصبحت كافراً بلمح البصر، تخيل معي يا عزيزي، لم يعد الأمر يحتاج إلى جلسات فكرية عميقة أو مراجعات دينية معقدة، فقط تغريدة واحدة من الحزمي كافية لزجك في جهنم، ولست بحاجة حتى لتوقيع على صك دخولك النار، الرجل واضح وصريح ويعرف تماماً كيف يدير الأمور، الوحدة = الصلاة، الانفصال = إلغاء الصلاة، وإلغاء الصلاة يعني أنك في نادي الكافرين، وفي عالم الحزمي والإصلاح كل شيء يمكنه أن يصبح فتوى، وكأنك تدخل مطعماً للفتاوى وتطلب فتوى تكفير بالوحدة على الطبق الرئيسي

وفي الوقت الذي كان فيه الحزمي يحتسي كوب الشاي التركي في منفاه الذهبي، قرر أن يشاركنا حكمته الأبدية عبر «اكس»، هذه المنصة التي يبدو أنها تحولت إلى حلبة ملاكمة فقهية حيث كل ضربة هي فتوى وكل تغريدة هي حكم إلهي، ولكن لا بأس فنحن في زمن التغريدات المقدسة، حيث يمكنك بكبسة زر أن تلعن شعباً كاملاً وتصدر عليهم حكم الكفر في ثوانٍ معدودة، فعندما تغرد من تركيا وأنت بعيد عن أرض الواقع، تصبح الفتاوى أكثر إبداعاً وربما أكثر كوميدية، الوحدة أصبحت مثل الصلاة يا رفاق، ولك أن تتخيل أن كل من يجلس في الجنوب الآن يتساءل هل فوات وقت الوحدة يعني عليّ قضاء صلاة الوحدة، وإذا أخرت الوحدة هل لي أن أؤديها في وقت لاحق مع صلاة الفجر، فالأمر بات غامضاً ومربكاً للجميع، وربما يحتاج إلى لجنة فقهية لفك رموز هذا اللغز العبقري

لكن لا تتوقف المفارقات هنا، فالنهج التكفيري لا يبدو أنه ينتهي أبداً، الحزمي على خطى الديلمي وباقي الفريق، وكلما لاحت بوادر أزمة أو مشكلة سياسية، يكون الحل دائماً هو فتوى تكفيرية جديدة، يبدو أن هناك مَنهلاً سرياً لهذه الفتاوى يجلس فيه رجال الإصلاح ويتبادلون وصفاتهم السرية، وكأنهم طهاة في مطبخ فتاوى الكفر، هل تعتقد أن الوحدة بحاجة لإصلاح؟ لا، فقط استمر في طاعة الله عبر الوحدة، وإن فكرت في غير ذلك، فقد أصبحت كافراً في عين الحزمي وجماعته، والأمر الأكثر طرافة هو أن الوحدة أصبحت فجأة أكثر قداسة من الصلاة نفسها، وكأنك إذا ألغيت الوحدة فقد ألغيت عمود الدين بأكمله، وهكذا يجد الجنوبيون أنفسهم محاصرين بين فتوى هنا وأخرى هناك، وكلما نادوا بحقوقهم أو طالبوا بانفصالهم، يجدون الحزمي وأمثاله يرفعون سيف التكفير ليجهزوا عليهم في ساحة الفقه التويتري

ومع ذلك لا يمكننا أن نتجاهل براعة هؤلاء العباقرة في تحويل كل قضية سياسية إلى مسألة دينية لا تقبل النقاش كل شيء بالنسبة لهم هو حرام أو حلال كفر أو إيمان لا توجد منطقة وسطى لا توجد مساحة للتفكير أو حتى مجرد النقاش الجاد الوحدة أصبحت أكثر قدسية من كل شيء وحتى مجرد التفكير في الانفصال يجعلك تتساوى مع منكر الصلاة وأنت تشاهد هؤلاء التكفيريين يتبارون في إصدار الفتاوى تشعر وكأنك في سوق قديم حيث يتنافس الباعة في عرض بضاعتهم والحزمي وجماعته يقدمون لنا فتاوى الكفر والزندقة كأنها تخفيضات موسمية في متجر ديني كل ما عليك فعله هو الاستماع والانصياع وأنت في مأمن من التكفير أما إذا تجرأت وسألت عن حقك في تقرير المصير أو طالبت بإنصاف الجنوب فاستعد لتجد نفسك على لائحة الكافرين

وهنا نتساءل هل هذا النهج التكفيري يقتصر على القضايا السياسية فقط أم أن الحزمي وجماعته لديهم خطط مستقبلية لتحويل أي خلاف إلى مسألة دينية مثلا إذا لم تعجبك قهوتهم التركية هل ستجد نفسك خارج الملة هل إذا فكرت في تغيير نوع الشاي الذي تشربه قد تُتهم بالإلحاد وهل إذا قررت أن تخرج من منزلك قبل موعد الفتوى التويترية تكون قد وقعت في حبائل الشيطان الأمر لا يبدو مستبعداً في ظل هذا الجنون الفتاوي الذي نعيشه اليوم

الجنوبيون اليوم ليسوا فقط يواجهون تحديات اقتصادية وسياسية بل يواجهون أيضاً فتاوى تكفيرية تُطلق عليهم من كل حدب وصوب وكأنهم لا يعانون بما فيه الكفاية من تدهور الأوضاع الاقتصادية والأمنية لكن لا تقلقوا هناك دائماً فتوى جديدة جاهزة لتحكم عليكم بالكفر في حال حاولتم التفكير في تحسين أوضاعكم أو المطالبة بحقوقكم في الانفصال

نحن أمام نهج تكفيري متواصل حيث تُستخدم الدين كورقة ضغط سياسية وحيث تُقدم الفتاوى كأداة لتكميم الأفواه وقمع الأصوات المعارضة لم يعد يكفي أن تكون مؤمناً تصلي وتصوم وتؤدي واجباتك الدينية بل عليك أن تؤمن بالوحدة كجزء لا يتجزأ من عقيدتك وإلا فإن مصيرك معروف وحكمك جاهز من هؤلاء الذين يعتقدون أن لديهم الحق في تحديد من هو المؤمن ومن هو الكافر

وفي النهاية يمكننا أن نقول بكل بساطة إن الحزمي وجماعته قد حولوا مسألة الوحدة إلى طقس ديني جديد حيث تكون الكفرية جزاؤك في حال قررت أن تفكر خارج الصندوق

كتب/مروان قائد محسن علي

زر الذهاب إلى الأعلى