اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

#علي سيقلي يكتب :قرّبوا مني الجدار أتمخط!

في أمثالنا الشعبية مخزونٌ عجيب من الحكمة، وبعضها لا يحتاج إلى شرحٍ طويل، لأن المثل وحده كفيل بفضح صاحبه، ووضعه أمام مرآةٍ لا تجامل ولا تستخدم مساحيق التجميل.

ومن هذه الأمثال قولهم: «قرّبوا مني الجدار أتمخط».

وهو مثل يُضرب لمن لا يشارك في العمل، ولا يُسمع له صوتٌ في الميدان، ولا يُرى له أثرٌ في ساعات التعب والإنجاز، لكنه ما إن يلمح الآخرين يعملون، حتى يستيقظ فيه فجأةً شعورٌ عميق بالمسؤولية، وتنتابه رغبةٌ ملحّة في أن يكون اسمه حاضرًا في المشهد، ولو لم يكن له من العمل سوى الوقوف على الهامش، والمطالبة بتقريب الجدار!

هذا الصنف من الناس لا يحب العمل بقدر ما يحب أن يُقال إنه عمل، ولا تعنيه النتائج بقدر ما تعنيه الصورة التي سيظهر فيها أمام الآخرين. فإن رأى جماعةً تشق طريقًا، جاء متأخرًا يسأل عن موقعه في الصورة التذكارية، وإن وجد مشروعًا قد أوشك على الاكتمال، حضر ليضع بصمته على آخر حجر، ثم انصرف يحدث الناس عن حجم التضحيات التي قدّمها!

والأعجب أن بعض هؤلاء لا يكتفون بالمشاركة المتأخرة، بل يتصرفون وكأنهم أصحاب الفكرة، وأهل المبادرة، وحملة المشروع على أكتافهم منذ اللحظة الأولى. وربما أخذوا يوزّعون شهادات التقدير على أنفسهم، قبل أن يجف عرق الذين عملوا، أو ينتهي عدّ الذين دفعوا الثمن.

إنهم بارعون في الوصول إلى نهاية الطريق، بعد أن يكون الآخرون قد شقّوه، وفي اقتسام ثمار الشجرة التي لم يزرعوها، وفي الوقوف تحت المظلة التي لم يساهموا في نصبها، ثم يشتكون من أن مكانهم في الصورة لا يليق بمقامهم!

وإذا سألت أحدهم: أين كنت عندما كان العمل يحتاج إلى الرجال؟ أجابك بحديث طويل عن الظروف، والحسابات، والحكمة، وضرورة التريث، وأن لكل مرحلة رجالها. أما عندما تلوح النتائج، وتتجه الأنظار نحو أصحاب الإنجاز، فإنه يخرج من مخبئه السياسي أو الاجتماعي أو الإداري، ويعلن استعداده الكامل للمشاركة، بل قد يلوم الآخرين لأنهم لم يستدعوه من البداية!

يا سلام! لم تكن المشكلة يومًا في غيابه، بل في أن أحدًا لم يتذكر إدراج اسمه ضمن قائمة الحاضرين!

والحقيقة أن العمل لا يحتاج إلى من يطالب بالجدار بعد انتهاء المعركة، وإنما يحتاج إلى من يحمل المعول حين تكون الأرض صلبة، وإلى من يتحمل الغبار حين يكون الطريق وعرًا، وإلى من يمد يده عندما تكون الأيدي العاملة قليلة، لا عندما تصبح الكاميرات كثيرة.

فليس عيبًا أن يأتي المرء متأخرًا إذا جاء ليعمل، وليس عيبًا أن يطلب مكانًا بين العاملين إذا كان مستعدًا لبذل الجهد. العيب أن يأتي بلا جهد، ويطلب نصيبًا من الإنجاز، ثم يغضب إذا لم يجد اسمه في مقدمة القائمة.

وفي السياسة، كما في العمل العام، تبدو هذه الظاهرة أكثر طرافةً وإثارةً للشفقة؛ إذ قد يغيب البعض عن سنوات من المواقف والتضحيات، فلا تسمع لهم همسًا ولا ترى لهم أثرًا، ثم ما إن تقترب ساعة الحصاد حتى يتحولوا إلى خبراء في النضال، وحراسٍ للمبادئ، وأصحاب فضلٍ على كل نجاح.

وإذا لم يجدوا موضعًا مناسبًا في الصفوف الأمامية، بدأوا في التشكيك بالعمل والعاملين، وكأن المشروع كان ينتظر حضورهم ليكتمل، وكأن التاريخ أخطأ حين مضى من دون أن يستأذنهم!

لكن المشكلة أن بعضهم يخلط بين المشاركة في الإنجاز والمشاركة في الصورة، وبين أن يكون له دورٌ حقيقي، وأن يكون له مجرد اسمٍ في كشف الحضور. والأولى تحتاج إلى جهدٍ وموقفٍ وتضحية، أما الثانية فلا تحتاج سوى إلى جدارٍ قريب، ووجهٍ مستعد، ولسانٍ لا يتعب من الحديث عن الذات.

ولذلك، فإن المثل الشعبي «قرّبوا مني الجدار أتمخط» ليس مجرد طرفة عابرة، بل وصفٌ دقيق لحالة تتكرر في حياتنا كلما ظهر إنجاز، أو اقتربت مصلحة، أو لاحت فرصةٌ لركوب موجة النجاح.

فمن أراد أن يكون شريكًا في الحصاد، فليكن شريكًا في الزراعة، ومن أراد أن يُذكر اسمه بين صُنّاع الإنجاز، فليترك أثرًا يستحق أن يُذكر.

أما الذين لا يظهرون إلا بعد أن ينتهي العمل، ثم يطالبون بتقريب الجدار، فليتفضلوا؛ فالجدران كثيرة، لكن الإنجازات لا تُبنى بالمخاخيط، والتاريخ، مهما اتسعت صفحاته، لا يمنح صفة البنّاء لمن اكتفى بطلب الجدار!

زر الذهاب إلى الأعلى