شر البلية ما يضحك.. أبين تنتظر الخدمات وسلطة الوصاية والاحتلال تنشغل بإشهار المجالس

كتب _ أنور سيول
قيل إن المثل الشهير «شر البلية ما يضحك» يقال عندما يبلغ الموقف من السوء والغرابة حدا يجعل الإنسان لا يعرف أيحزن مما يحدث أم يضحك من شدة التناقض.
ولعل ما تشهده محافظة أبين اليوم من ممارسات تقوم بها بسلطة الوصاية والاحتلال يقدم صورة واضحة لهذا التناقض العجيب، ففي الوقت الذي ينتظر فيه المواطن من سلطة الوصاية أن تعزز حضورها وأن تتفرغ لمعالجة ملفات الخدمات وتحسين حياة الناس نجدها بحسب ما نراه تنشغل بإشهار مجالس ومكونات كرتونية وتنفق الأموال على تشكيلها في مشهد يثير سؤالا بسيطا لكنه كبير في معناه: هل تحتاج أبين اليوم إلى مزيد من المجالس أم إلى سلطة تقوم بواجباتها؟.
والأغرب من ذلك أن إنشاء مثل هذه المجالس لا يعزز بالضرورة دور السلطة المحلية بل يفتح الباب أمام سؤال آخر أكثر حساسية: إذا كانت هناك سلطة محلية قائمة ومؤسسات رسمية يفترض أن تتحمل مسؤولياتها فلماذا يجري إيجاد أطر موازية لها؟ وهل المطلوب تقوية مؤسسات الدولة أم صناعة هياكل جديدة قد تزيد المشهد تعقيدا؟.
وهنا فعلا يصبح «شر البلية ما يضحك» وصفا مناسبا للمشهد.
لكن الحكاية لم تتوقف عند هذا الحد، فقد خرج أحد الإعلاميين المناصرين لسلطة الوصاية محاولا تقديم صورة مختلفة تماما، صورة لسلطة تعمل ليل نهار لخدمة المواطنين وتساند الجبهات وتقف إلى جانب القوات المسلحة الجنوبية.
وهنا لا نريد الدخول في النوايا ولا مصادرتها وإنما نسأل عن النتائج التي يستطيع المواطن رؤيتها على الأرض، إذا كانت الأولوية بالفعل لمساندة الجبهات والقوات المسلحة الجنوبية فلماذا تصرف الأموال على تشكيل مكونات ومجالس سياسية جديدة بدلا من توجيه الإمكانات إلى الاحتياجات الفعلية؟ وهل تكون مساندة القوات المسلحة الجنوبية بإنفاق الأموال على مجالس لا تحظى بحاضنة شعبية في مديريات المحافظة؟.
ثم يأتي السؤال الأصعب… هل يتحقق توحيد الصفوف عبر تشكيل مجالس كرتونية رفضها أبناء مديريات يافع لإنها لا تمثلهم؟ وهل يمكن الحديث عن جمع الكلمة بينما يتصاعد الرفض لهذه المكونات الدخيلة.
إن إرادة المواطنين لا تصنعها البيانات ولا صور الإشهار ولا الاجتماعات المغلقة، وأي مكون يريد أن يتحدث باسم الناس يحتاج أولا إلى أن يثبت حضوره بينهم وأن يستمد شرعيته منهم لا أن تتحول عملية الإعلان عنه إلى بديل عن معرفة موقف الشارع الحقيقي.
المواطن في أبين يريد كهرباء ومياها وطرقا وصحة وتعليما ورواتب وخدمات مستقرة، يريد أن يرى أثر السلطة في حياته اليومية قبل أن يسمع عن مجلس جديد أو مكون جديد أو فعالية إشهار جديدة.
وهنا تعود بنا الأسئلة إلى نقطة البداية، ما الذي تكسبه أبين من إنشاء المزيد من مجالس الغدر والخيانة إذا كانت الملفات الأساسية للمواطن ما تزال تنتظر الحل؟ وما الجدوى من هياكل جديدة إذا كان المطلوب أساسا هو تفعيل المؤسسات القائمة؟ وكيف يصبح الحديث عن توحيد الصفوف مقنعا إذا كانت الخطوات المتخذة نفسها تثير اعتراضات وانقسامات جديدة؟.
إن خدمة أبين لا تحتاج إلى صناعة واجهات سياسية بقدر ما تحتاج إلى عمل ملموس يراه المواطن في مدينته وقريته ومدرسته ومستشفاه وطريقه، كما أن مساندة المقاتلين لا تكون بالشعارات وإنما بتوفير ما يعزز صمود الجبهات ويحفظ استقرار المناطق خلفها.
وفي نهاية المشهد لا يبقى أمامنا إلا الاستغراب… نستغرب كيف يمكن لسلطة تواجه كل هذه التحديات الخدمية والمعيشية أن تجد الوقت والمال والجهد لإشهار مجالس جديدة بينما ينتظر المواطن منها معالجة أبسط حقوقه.
ونستغرب أكثر كيف تقدم هذه الخطوات بوصفها طريقا إلى توحيد الصفوف بينما رفضها المجتمع وتفتح أبوابا جديدة للخلاف، وعند هذه المفارقة تحديدا لا نجد وصفا أبلغ من المثل الذي بدأنا به.
شر البلية ما يضحك