قصتي مع ضابط إماراتي: حين تُدرك القيادات الحقيقة بعد فوات الأوان

الصحفي صالح حقروص
في السادس من أبريل عام 2026، نشرت قصتي مع ضابط سعودي، وتحت عنوان: «قصتي مع ضابط سعودي: دليل على أن الفهم الحقيقي لا يتحقق مهما حاولت معهم». واليوم، أكتب مقالًا جديدًا ليس مجرد سرد لذكرى، بل قراءة في درس متكرر، ورواية لواقع كنت قد حذرت منه قبل أن يتحقق.
أروي لكم قصتي مع ضابط إماراتي، طلب التحدث والتواصل معي لأمر رآه مهمًا، خلال فترة حكم الإخوان في محافظة شبوة. وقد تم ذلك عبر إحدى القيادات العسكرية البارزة، ودار بيننا حوار طويل، حاولت فيه أن أقول ما أعتقد أنه حق، حتى وإن كان مرًا.
البداية: حرص على حياتي واقتراح بالانتقال
في بداية الحديث، عبّر الضابط الإماراتي عن إعجابه الكبير بنشاطي الصحفي، وعن قلقه على حياتي، وشدد على أهمية خروجي من محافظة شبوة والانتقال إلى عدن أو المكلا.
فشكرته على هذا الحرص، وقلت له إن مثل هذا الاهتمام لا يدل إلا على الوفاء والإخلاص من قبل من يعرف قيمة الرجال والأبطال والشرفاء.
أما بالنسبة لخروجي من محافظة شبوة، فقد سبق أن تواصل معي بهذا الخصوص العديد من قيادات المجلس الانتقالي الجنوبي العليا، ورفضت ذلك. فبقائي في شبوة أكثر أمانًا من وجودي في عدن أو المكلا، والخطر الحقيقي سيكون في انتقالي إلى إحداهما. بل إن انتقالي سيمنحهم فرصة ذهبية لاغتيالي عبر خلاياهم النائمة، ثم يخفون جريمتهم بتوجيه الاتهام إلى المجلس الانتقالي الجنوبي، وهو بريء من ذلك.
لماذا رفضت الخروج من شبوة؟
سألني الضابط: هل يمكن أن توضح لي ذلك أكثر؟
قلت له: أصدرت بيانًا للرأي العام المحلي والدولي، ونشرته وأرسلته إلى المنظمات الدولية المعنية بحقوق الصحفيين وحماية الصحافة وحرية التعبير. وأبلغتهم أنني تحت الإقامة الجبرية في المنزل، ولا أستطيع الخروج، لأن هناك من يتربص بي للاعتقال. وحمّلت المسؤولية عن أي شيء يحدث لي لثلاث قيادات بارزة في حزب التجمع اليمني للإصلاح في محافظة شبوة.
وأشرت له إلى أنه بعد إصدار بياني، أصبح أصحاب الإخوان هم من يحرصون على حمايتي.
فأُعجب كثيرًا وقال: «حقيقة، أنت ذكي جدًا، وعرفت كيف تحمي نفسك». واقتنع أن وجودي في محافظة شبوة أفضل من وجودي في عدن أو المكلا.
طلب مفاجئ: لا تهاجم السعودية
بعد ذلك، طلب مني عدم مهاجمة السعودية.
فقلت له: كيف يمكن لذلك أن يحدث؟ السعودية هي من سلّمت شبوة للإخوان، وهي من تدعم الإخوان، وهي ليست مع الجنوب ولا مع استقلال الجنوب واستعادة دولته الجنوبية وعاصمتها عدن. بل إن هدفها الرئيسي هو فصل محافظات حضرموت وشبوة والمهرة عن الجسد الجنوبي والسيطرة عليها وفق مشروع ومخطط الأقاليم.
وخير دليل على ذلك أن السعودية هي من تعرقل نشر القوات المسلحة الجنوبية في محافظات حضرموت وشبوة والمهرة، وهي من تعرقل إخراج القوات الشمالية المتواجدة في تلك المحافظات الثلاث منذ احتلال الجنوب في حرب عام 1994، وذلك بموجب اتفاق الرياض المبرم بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي في نوفمبر 2019 بضمانة سعودية.
وبدلًا من تنفيذ اتفاق الرياض وإخراج القوات الشمالية من محافظات حضرموت وشبوة والمهرة، وجدنا السعودية هي من تحرّضها على عدم الانتقال إلى محافظة مأرب لمحاربة الحوثي وتحرير العاصمة صنعاء، وخاصة وأن هذه المهمة تتعلق بالقوات الشمالية.
المهم، حاولت أن أقنع الضابط الإماراتي بأن السعودية هي العدو التاريخي للجنوب العربي، وأنها مع الشمال ضد الجنوب، وتفضّل الشمال على الجنوب، لأن الشمال يقبل الوصاية ويعمل على تلبية كل ما تريده السعودية، بخلاف الجنوبيين.
طريق مسدود.. ونبوءة تحققت
وبعد أن وصلت إلى طريق مسدود مع الضابط الإماراتي في إقناعه بأن السعودية ليست مع الجنوب، بل ضد الجنوب ومع الشمال في كل مرحلة، قلت له في ختام حديثي:
«سيأتي يوم وتدرك أن كل ما قلته لك هو الحقيقة، ولكن بعد فوات الأوان، وبعد أن يتفق الإخوان والسعودية على الغدر بالجنوب العربي والإمارات».
وعندما تحقق هذا الأمر فعلًا، لم يفعل الضابط الإماراتي كما فعل الضابط السعودي الذي أرسل لي رسالة عبر أحد المغتربين الجنوبيين قال فيها:
«بلغوا الصحفي صالح حقروص أن الكلام الذي قاله لي في مدينة جدة في عام 2005، ولم أقتنع به، قد تحقق فعلًا في عام 2008، وأن المواطنين السعوديين خرجوا إلى الشوارع مجانين وبدون عقول».
والحقيقة أن ما قلته للضابط الإماراتي قبل أكثر من خمس سنوات قد تحقق في عام 2026.
العبرة:
ليست العبرة أن تقول الحقيقة، بل أن تجد أذنًا تسمعها قبل أن تتحول إلى فاجعة. فالكبرياء يغلق القلوب، والثقة العمياء تُطفئ البصيرة، وكم من نبوءة كذّبها الساسة، ثم صدّقها التاريخ بعد أن دفع الشعوب الثمن.
الخاتمة:
وهكذا، بين ضابطٍ سعودي غلبه الغرور، وضابطٍ إماراتي غلبته الثقة العمياء، بقيت الحقيقة وحيدة تطرق الأبواب، لا تُفتح لها القلوب إلا بعد فوات الأوان. وحين تحققت النبوءة، لم يبقَ سوى صوت الذاكرة يردد: لقد قلت لكم… ولكن متى يستفيد الناس من درسٍ لم يسمعوه إلا بعد أن يدفعوا ثمنه؟
إن الوفاء الحقيقي ليس صمتًا عن الخطأ، والنصح الصادق ليس عداءً. وإن أعظم الخسارات ليست أن تُهزم، بل أن ترى الخطر قادمًا، وتحذّر منه، ثم تجد نفسك وحدك في مواجهة النتيجة.
الخلاصة
إذا كنا استخلصنا من حوار الضابط السعودي أن مشكلة القيادة السعودية تكمن في الكبرياء والغرور، فإن الحوار مع الضابط الإماراتي يعكس حقيقة أن مشكلة القيادة الإماراتية تكمن في الطيبة والثقة العمياء.
وتفاصيل قصتي مع الضابط السعودي سبق أن نشرتها في 6 أبريل 2026 تحت عنوان:
قصتي مع ضابط سعودي: دليل على أن الفهم الحقيقي لا يتحقق مهما حاولت معهم