اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

الحوثيون يحاولون التمدد وواشنطن تتريث.. هل تتحول إيران من داعم خلفي إلى لاعب يختبر حدود النفوذ الأميركي؟

تدخل الأزمة اليمنية مرحلة أكثر تعقيدًا مع اتساع رقعة المواجهات وتزايد الضغوط على الممرات البحرية في البحر الأحمر وباب المندب، في وقت تبدو فيه واشنطن حريصة على إبقاء خياراتها مفتوحة، من دون الانجرار سريعًا إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع الحوثيين. وتشير تقارير حديثة إلى أن الإدارة الأميركية تدرس التطورات من زاوية أوسع ترتبط بالصراع مع إيران وأمن الملاحة، بينما يواصل الحوثيون استثمار حالة الانشغال الإقليمي والدولي لتحقيق مكاسب ميدانية. 

المشهد يكشف في الوقت نفسه عن الدور الإيراني باعتباره أحد أهم العوامل التي يصعب فصلها عن مسار الحوثيين. فقد تحدثت تقارير حديثة عن مساعدة مستشارين من الحرس الثوري الإيراني للحوثيين خلال عملياتهم الأخيرة على الساحل الغربي، بما شمل التدريب والدعم الاستخباري والتقني، وهو ما يعكس ـ وفق هذه التقارير ـ مستوى متقدمًا من الدعم الإيراني للمليشيات
ولا تبدو أهمية التطورات مرتبطة بالداخل اليمني وحده. فاقتراب الحوثيين من مناطق استراتيجية على ساحل البحر الأحمر وباب المندب يجعل أي تغير في موازين القوى ذا انعكاسات مباشرة على حركة التجارة الدولية وأمن الطاقة. ولهذا تبدو واشنطن أمام معادلة دقيقة: حماية حرية الملاحة من جهة، وتجنب فتح جبهة عسكرية جديدة من جهة أخرى.
وتؤكد التطورات الأخيرة أن السياسة الأميركية لا تقوم حاليًا على خيار واحد. ففي سبتمبر/أيلول، عقد مسؤولون أميركيون لقاءات مع ممثلين عن الحوثيين في مسقط، بالتوازي مع تقارير عن دراسة الرئيس دونالد ترمب توجيه ضربات للجماعة قبل أن يقرر التريث، مع الاكتفاء في تلك المرحلة بدعم استخباري ومعلومات استهداف للسعودية.

وفي المقابل، تكشف التحركات الدبلوماسية الأميركية مع الرياض أن واشنطن لا تتعامل مع الملف الحوثي باعتباره قضية منفصلة عن الصراع الإقليمي الأوسع. فقد وصل وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان إلى واشنطن في 28 سبتمبر لإجراء محادثات مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ظل تصاعد المواجهات مع الحوثيين.

وهنا تبرز إيران في قلب المشهد. فكلما اتسع نفوذ الحوثيين على البحر الأحمر، أصبح من الصعب النظر إلى التطورات باعتبارها مجرد صراع محلي؛ إذ ترى تحليلات حديثة أن طهران تستخدم الحوثيين كورقة ضمن صراعها الأوسع مع واشنطن، بينما تحاول الولايات المتحدة احتواء الجبهة اليمنية من دون السماح لها بجرّها إلى حرب أوسع.

المفارقة أن التريث الأميركي قد يمنح الحوثيين مساحة إضافية للتحرك، بينما يمنح إيران في الوقت نفسه فرصة لمراقبة حدود الاستجابة الأميركية واختبار قدرتها على إدارة أكثر من جبهة في المنطقة. ولذلك فإن السؤال لم يعد فقط: هل ستتدخل واشنطن عسكريًا؟ بل إلى أي حد تستطيع الولايات المتحدة الفصل بين مواجهة إيران وبين تمدد حليفها الحوثي في واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم؟
ومع استمرار المفاوضات الأميركية الإيرانية ومحاولات التوصل إلى ترتيبات حول مضيق هرمز، تبدو حسابات واشنطن في اليمن أكثر ارتباطًا بالمشهد الإقليمي العام.

وفي النهاية، فإن أخطر ما تكشفه التطورات الحالية هو أن ترك الساحة مفتوحة أمام التمدد الحوثي لا يعني بالضرورة بقاء الأزمة محصورة داخل اليمن. فكل تقدم على الساحل أو قرب باب المندب يرفع كلفة أي تسوية لاحقة، ويمنح إيران ورقة إضافية في مفاوضاتها الإقليمية والدولية، بينما تجد واشنطن نفسها أمام اختبار صعب بين الردع والاحتواء، وبين حماية مصالحها البحرية وتجنب حرب جديدة.
إذا استمر هذا المسار، فقد يصبح باب المندب جزءًا من معادلة تفاوضية أكبر بكثير من حدود الأزمة اليمنية، فيما يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع واشنطن احتواء النفوذ الإيراني عبر الحوثيين من دون أن تدفع المنطقة إلى مواجهة أوسع؟

زر الذهاب إلى الأعلى