قراءة في اللقاء السعودي المصري اليوم: الجنوب بين متطلبات الأمن وضرورة المسار السياسي

بقلم: د. أمين العلياني
الأحد 15 سبتمبر 2026
في القاهرة، حيث تتقاطع خطوط الإقليم وتتشابك المصالح، يجتمع السعوديون والمصريون على طاولة واحدة، وقضية باب المندب يجب أن تكون حاضرة في كل بند من بنود جدول الأعمال؛ وذلك مع اقتراب الحوثيين من باب المندب، أحد أكثر الممرات حساسية لأمن البحر الأحمر وخليج عدن والتجارة الدولية.
ومن هنا، فإن مصر لا تستطيع النظر إلى باب المندب بوصفه شأنًا يمنيًّا داخليًّا، بل إن أمن البحر الأحمر يرتبط بالملاحة وقناة السويس وموقع مصر الإقليمي. ولذلك، فإن أي تمدد حوثي نحو باب المندب يضعها أمام معادلة تتجاوز حدود اليمن شمالًا وجنوبًا. وكما أن استمرار التوتر في الجنوب قد يضيف أعباءً أمنية وسياسية على المنطقة، وبما أن حماية باب المندب تعتمد على جغرافيا الجنوب، فإن استدامة الأمن تقتضي معالجة العوامل السياسية المؤثرة في استقراره؛ فالترتيبات الأمنية قد توفر حلولًا مؤقتة، لكنها لا تضمن استقرارًا دائمًا؛ لأن الأمن لا يبدأ من السلاح وحده، بل من شعور المجتمع بأن له مصلحة حقيقية في النظام الذي يحميه، وأن القوة المدافعة عن أرضه تعمل ضمن قرار سياسي يحظى بقبول كافٍ.
وفي المقابل، تدرك مصر أن أي ترتيبات في الجنوب يجب ألا تهدد حرية الملاحة أو تفتح الباب أمام تنافس إقليمي على الموانئ والجزر والممرات البحرية. أما السعودية، بحكم حدودها وموقعها في التحالف، فتنظر إلى استقرار الجنوب من زاوية حماية أمنها الوطني، كما تسعى إلى منع تحول اليمن والجنوب إلى منصة لتهديد أراضيها أو خطوط الطاقة والتجارة. لهذا تفضل الرياض أن يسير الحل وفق ترتيبات تدريجية تحفظ تماسك الدولة والتحالف؛ فالخطوات النهائية غير المدروسة قد تؤدي إلى فراغ أو صدام بين القوى الأطراف المتناقضة في الساحة المتصدعة في اليمن شمالًا وجنوبًا. وعليه، لا تحتاج القاهرة إلى الانحياز لطرف ضد آخر، بل ما تحتاجه هو إدراك حقيقة استراتيجية أساسية: لا يمكن تأمين البحر الأحمر من دون الاهتمام بالشأن السياسي في الجنوب، ومن دون طمأنة الدول المجاورة وبقية المكونات اليمنية إلى أن هذا المسار لن يتحول إلى مشروع إقصائي.
إذا كانت الرياض تحتاج إلى القوات الجنوبية لمواجهة الحوثيين وتأمين الجبهات وحماية الجنوب وباب المندب، فإن حصر العلاقة في الرواتب والترتيبات العسكرية ينقل قضية شعب الجنوب من مجالها السياسي إلى مجالها الأمني، كما يحول سؤال الحقوق والقرار إلى مسألة تمويل ودمج ورتب. وترى الرياض أن هذا النهج قد يوفر استجابة عملية لبعض الاحتياجات العاجلة، لكنه لا يعالج جذور قضية شعب الجنوب نهائيًّا. ومن جهة أخرى، قد ترى الرياض في إعادة تنظيم القوات ودمجها وسيلة للحد من تعدد مراكز القوة، وضمان خضوع السلاح لقرار أكثر انضباطًا، ومنع تحوله إلى أداة صراع داخلي. وهذه مخاوف مشروعة لا يمكن تجاهلها، حتى مع الاعتراف بأن المعالجة الأمنية وحدها لا تلبي المطالب السياسية والاجتماعية للجنوب.
فالجنوب ليس ثكنة عسكرية، وقضيته ليست كشف راتب، وشعبه ليس قوة بشرية قابلة لإعادة التوزيع وفق مقتضيات اللحظة الإقليمية؛ لأن قضية الجنوب قد تجاوزت كونها ذاكرة معبرة عن مظلومية، وأصبحت مرتبطة بالسلطة والسيادة وإدارة الأرض والموارد والقرار ومستقبل الدولة؛ فالراتب قد يضمن انتظام الجندي في عمله، لكنه لا يحسم علاقة المجتمع بالدولة، والرتبة قد تنظم المؤسسة العسكرية، لكنها لا ترسم وحدها مستقبل وطن، أما الدمج، فقد يعيد ترتيب القوة، لكنه لا يحسم سؤال السيادة والتمثيل السياسي.
في المقابل، تخشى قوى يمنية أخرى أن يؤدي الاعتراف بالدور الجنوبي إلى تكريس واقع عسكري أو سياسي جديد على حساب وحدة القرار الوطني، كما تخشى بعض الأطراف أن تتحول المطالب الجنوبية إلى مشروع انفصال مفروض بالقوة. بينما يرى الجنوبيون أن التمسك بصيغة الدولة القائمة من دون معالجة مطالبهم السياسية يعني استمرار الاختلالات التي أنتجت الأزمة. وإذا كان المطلوب من أبناء الجنوب حمل السلاح ومواجهة الحوثيين والدفاع عن الجغرافيا والممرات البحرية، فمن الطبيعي أن يكون لهم دور سياسي في تحديد مستقبل هذه الجغرافيا وإدارة شؤونها. وهذا لا يعني تجاهل بقية المكونات اليمنية، بل يقتضي صياغة ترتيبات تضمن تمثيل الجنوب، وتحفظ مصالح اليمن والجنوب وجيرانهما، وتمنح المحافظات والمناطق المختلفة ضمانات واضحة بشأن السلطة والثروة والأمن.
تحتاج الرياض إلى الموازنة بين حاجتها إلى القوة الجنوبية وضرورة التعامل مع الحامل السياسي والاجتماعي لهذه القوة؛ فالقوة التي تحمي الأرض ترتبط بمجتمع له تطلعات ومصالح؛ وأي ترتيبات أمنية طويلة الأمد تحتاج إلى إطار سياسي يحدد المسؤوليات ويمنحها شرعية أوسع. وفي المقابل، قد ترى السعودية أن الحفاظ على تماسك التحالف ومواجهة الحوثيين يتطلبان مرونة في إدارة الملفات، وقد تفضل عدم حسم القضايا النهائية قبل تهيئة الظروف المناسبة، خصوصًا مع مخاوفها من تفكك مؤسسات الدولة أو نشوء كيانات مسلحة متنافسة على حدودها.
أما مصر، فستميل على الأرجح إلى مقاربة تضع أمن البحر الأحمر وحرية الملاحة في مقدمة الأولويات. كما ستتجنب الانخراط في ترتيبات تزيد الاستقطاب اليمني أو تمنح طرفًا واحدًا قدرة منفردة على التحكم بالممرات البحرية. وبالنسبة إلى بقية المكونات اليمنية، فإن قبول أي مسار سياسي يتطلب ضمانات تمنع الإقصاء، كما يتطلب ربط إعادة توزيع السلطة بآليات تفاوضية، لا بميزان القوة وحده.
هنا يبرز مساران محتملان في هذا اللقاء: الأول هو استمرار إدارة الجنوب عبر الرواتب والترتيبات الأمنية وسلطة يعاد تشكيلها تحت تأثير أطراف متعددة، وقد ينتج ذلك هدوءًا مؤقتًا، لكنه يبقي التوترات ومخاوف بقية المكونات قائمة. أما المسار الثاني، فيتمثل في الاعتراف بقضية شعب الجنوب كقضية سياسية قابلة للنقاش. ويشمل ذلك إشراك الجنوب في صناعة القرار، وتمكين أبنائه من إدارة شؤونهم ضمن ترتيبات متوافق عليها، وبناء مؤسسة عسكرية مهنية، وإقامة شراكة إقليمية لحماية باب المندب والبحر الأحمر. كما ينبغي أن تراعي هذه الشراكة مصالح بقية المكونات اليمنية، وأن تضمن عدم استخدام المسار الجنوبي لتهديد أمن السعودية أو مصر أو الملاحة الدولية.
هذه المقاربة ليست أكثر عدالة فحسب، بل قد تكون أكثر عقلانية واستدامة من منظور الأمن الإقليمي، غير أن نجاحها يتطلب حوارًا يراعي مخاوف السعودية ومصر والجنوب والحوثيين وسائر الأطراف المعنية. ولا يعني ذلك مساواة جميع الأطراف في المسؤولية، أو منح أي طرف حق تعطيل المسار، بل يعني بناء عملية سياسية تستند إلى تمثيل واقعي وضمانات متبادلة؛ فالخطر الحوثي لا ينبغي أن يصبح ذريعة لتأجيل المشكلة الجنوبية إلى أجل غير محدد. وفي الوقت نفسه، لا ينبغي لقضية شعب الجنوب أن تتحول إلى ذريعة للتخلي عن مواجهة التهديدات التي تطال اليمن والملاحة الإقليمية.
والمطلوب هو تحويل الجنوب من ساحة تُستخدم في الحرب إلى شريك في صناعة السلام والأمن، ويجب أن يتم ذلك من دون تحويله إلى أداة لإقصاء بقية اليمنيين أو مصدر قلق إضافي لدول الجوار. وكلما تقدم الحوثيون نحو الساحل الغربي وباب المندب، ارتفعت القيمة الاستراتيجية للجنوب، وأصبح تجاهل وزنه السياسي أكثر صعوبة، لكن أي ترتيبات جنوبية لا تأخذ في الاعتبار مخاوف الأطراف الأخرى قد تزيد تعقيد المشهد. كما أن إضعاف الحامل السياسي للجنوب ثم العودة إليه عند اشتداد الخطر يخلق تناقضًا يصعب استمراره؛ فالرياض تحتاج إلى قوة الجنوب، لكنها تحتاج أيضًا إلى صيغة سياسية واضحة للتعامل مع وزنه ومطالبه. وتحتاج كذلك إلى ضمانات تمنع إنتاج تهديد جديد لأمنها أو لأمن اليمن والمنطقة. قد تصلح الترتيبات المؤقتة لإدارة أزمة، لكنها لا تكفي وحدها لبناء دولة أو أمن إقليمي مستقر.
من هنا فالقاهرة والرياض يحتاجان إلى مقاربة تتجاوز استخدام الجنوب بوصفه قوة أمنية عند الضرورة؛ فالجنوب لا يرفض حماية الأمن الإقليمي أو مواجهة الحوثيين، لكنه يرى أن دوره في الدفاع عن الأرض والممرات البحرية يجب أن يقترن بمسار سياسي يعالج مطالبه ويمنحه موقعًا واضحًا في تحديد مستقبل المنطقة. في المقابل، تحتاج السعودية إلى التأكد من أن أي تسوية جنوبية ستسهم في استقرار اليمن كاملًا، لا في إنتاج حدود أو مراكز قوة جديدة معادية لها. وتحتاج مصر إلى ضمانات تتعلق بأمن البحر الأحمر والملاحة وقناة السويس. أما بقية المكونات اليمنية، فتحتاج إلى تطمينات بأن الاعتراف بقضية شعب الجنوب لن يعني إلغاء حقوقها أو فرض ترتيبات لا تشارك في صياغتها.
ويستطيع الجنوب أن يكون شريكًا في حماية باب المندب، لكن الشراكة الحقيقية تتطلب مؤسسات مستقرة وتمثيلًا سياسيًّا معتبرًا، كما تتطلب ترتيبات تضمن أن من يدافع عن الجغرافيا يشارك في تقرير مصيرها، مع قواعد واضحة لتوزيع السلطة والثروة وضبط السلاح وحماية حقوق المناطق والمكونات المختلفة. ومن ثم، فإن أمن البحر الأحمر لن يُبنى بالترتيبات العسكرية وحدها، بل يحتاج إلى تسوية توازن بين مواجهة الحوثيين وحق الجنوب في أن يكون طرفًا سياسيًّا في مستقبل اليمن والمنطقة، مع مراعاة مخاوف السعودية ومصر وسائر اليمنيين.
وكلما شعر الجنوب بأن أمنه ومستقبله موضع مشاركة حقيقية، أصبح أكثر قدرة على حماية محيطه وأقل عرضة للتحول إلى ساحة مؤقتة للصراع. وكلما اطمأنت بقية الأطراف إلى أن المسار السياسي يقوم على التوافق والضمانات، زادت فرص تحوله إلى عامل استقرار بدل أن يكون مصدر انقسام جديد. وهنا ينبغي أن تُقرأ زيارة القاهرة من خلال سؤال يتجاوز بياناتها: هل سيظل الجنوب قوة مطلوبة لحماية الأمن، أم سيُنظر إليه بوصفه قضية سياسية وشريكًا حقيقيًّا في صناعته، ضمن صيغة تطمئن السعودية ومصر وتحفظ حقوق بقية المكونات اليمنية؟
ومن هنا فقد تحقق المقاربة الأمنية وحدها قدرًا من الاستقرار المؤقت، لكنها ستبقي جذور الأزمة قائمة. أما الجمع بين الأمن والمسار السياسي، فيفتح الطريق أمام استقرار أكثر رسوخًا في جنوب الجزيرة وباب المندب والبحر الأحمر؛ فالجنوب لا يطلب مكافأة على جغرافيته، ولا يريد أن تُختزل علاقته بالآخرين في سلاحه أو راتبه؛ بل يطالب بأن يُعامل بوصفه صاحب قضية سياسية وشريكًا في أمن أرضه ومحيطه، ضمن إطار يراعي مصالح اليمن والجنوب والمنطقة، ويمنع في الوقت نفسه تحويل مطالبه إلى مشروع إقصاء أو تهديد لجيرانه.