يعقوب السفياني يكتب: سلسلة من الحقائق

لإدراك خطورة ما يجري اليوم في اليمن، من المهم أن نضع أمامنا سلسلة من الوقائع، بتواريخها، ثم نسأل إلى أين تقودنا.
في 29 أغسطس الماضي، نشر الصحفي روي كايس في «كان نيوز»، التابعة لهيئة البث الإسرائيلية، تقريرًا نقل فيه عن مسؤول لم يسمّه في الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان طلب من قائد القيادة المركزية الأمريكية الأدميرال براد كوبر أن تتولى الولايات المتحدة قيادة حملة عسكرية ضد الحوثيين.
الاجتماع نفسه ليس محل شك؛ فقد عُقد في جدة في 13 أغسطس، وأعلنت عنه وكالة الأنباء السعودية رسميًا، وإن كان البيان السعودي تحدث بصورة عامة عن التعاون الدفاعي والتطورات الإقليمية وخفض التصعيد.
لكن الجديد الذي أورده تقرير «كان» هو مضمون الطلب السعودي والرد الأمريكي: واشنطن رفضت قيادة الحملة، وأبدت استعدادها لدعم عملية عسكرية تقودها السعودية، وكان من المبررات التي أوردها التقرير أن الحوثيين لا يوجهون نيرانهم في ذلك الوقت نحو السفن الأمريكية في البحر الأحمر.
أي أن الرسالة، ببساطة، كانت: طالما أنهم لا يضربوننا، فنحن لا نريد فتح جبهة جديدة معهم.
ثم، بعد أقل من أسبوعين، تكرر المشهد بصورة أكثر وضوحًا.
في 10 سبتمبر، أي يوم أمس، ووفق تقرير نشرته Axios نقلًا عن مسؤولين أمريكيين، اتصل محمد بن سلمان بالرئيس ترامب مرتين وطلب ضربات أمريكية عاجلة ضد الحوثيين مع تقدمهم على الساحل الغربي واقترابهم من باب المندب. ووفق التقرير، رفض ترامب التدخل العسكري الأمريكي المباشر ضد الحوثيين في هذه المرحلة.
وهنا نصل إلى باكستان.
السعودية وقعت في 7 أغسطس مع باكستان وتركيا اتفاق مكة للدفاع المشترك، الذي يقوم على مبدأ أن الاعتداء على دولة من الدول الثلاث يعد اعتداءً على الجميع.
وفي 9 سبتمبر، وبعد الهجمات الحوثية على الأراضي والمنشآت السعودية، قال وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف بوضوح إنه «لا يوجد غموض» في الاتفاق، وإن امتداد العدوان إلى الأراضي السعودية يمكن أن يجعل الاتفاق عمليًا، مؤكدًا أن بلاده ملتزمة بشروطه.
لكن في اليوم التالي، 10 سبتمبر، عندما سُئل المتحدث باسم الخارجية الباكستانية سجاد حيدر خان تحديدًا عن الرد العسكري الباكستاني بموجب اتفاق مكة على هجمات الحوثيين، قال:
«لا يوجد شيء من هذا القبيل قيد النقاش الآن… عندما يحين الوقت سنتصرف بموجب الاتفاق».
كما أعادت الخارجية التأكيد أن التحالف في جوهره تحالف دفاعي قائم على الردع.
ضعوا هذه الوقائع كلها أمام بعضها:
السعودية تطلب من واشنطن في أغسطس قيادة حملة ضد الحوثيين، فترفض واشنطن.
ثم يطلب محمد بن سلمان في سبتمبر من ترامب ضرب الحوثيين مباشرة، فيرفض ترامب.
وباكستان، رغم التزامها الدفاعي بالسعودية، تقول إن أي تحرك عسكري بموجب الاتفاق ليس مطروحًا للنقاش بعد.
هذا كله يقول شيئًا مهمًا: السعودية تواجه اليوم مأزقًا حقيقيًا في التعامل مع الحوثيين، وتبحث عن مظلات وشركاء قادرين على مساعدتها في مواجهة خطر يتضخم بسرعة.
وهنا لا بد من العودة إلى اليمن نفسه.
منذ 2015 لا يمكن إنكار حجم ما قدمته السعودية، القوة الجوية، الدعم المالي والسياسي والعسكري، وآلاف الغارات التي استهدفت الحوثيين.
لكن الحرب أثبتت أيضًا حقيقة عسكرية بسيطة وهي أن الطيران يضغط ويستنزف، لكنه لا يمسك الأرض ولا يحسمها وحده.
وفي تقديري، فإن معظم الاختراقات الميدانية الكبيرة التي تحققت ضد الحوثيين ارتبطت بوجود قوات محلية فعالة على الأرض، كان للإمارات دور مباشر ومحوري في بنائها ودعمها وإسنادها، سواء في الجنوب أو في الساحل الغربي.
وهنا ارتكبت الرياض، في رأيي، أحد أكثر أخطائها الاستراتيجية كلفة.
لقد سمحت لقوى يمنية أيديولوجية متشددة، وبينها تيارات مرتبطة بالإسلام السياسي والإخوان ومعادية للمجلس الانتقالي الجنوبي، بأن تدفع البوصلة السعودية تدريجيًا من الصراع مع الحوثي نحو الصراع مع حلفائها وشركائها في المعسكر المناهض له.
تحولت الإمارات من الشريك العسكري الأهم على الأرض إلى خصم في حسابات بعض القوى اليمنية، وأصبح المجلس الانتقالي وقوات جنوبية قاتلت الحوثيين تُقدَّم للرياض باعتبارها الخطر الذي ينبغي احتواؤه.
وبدل الحفاظ على التفاهم السعودي–الإماراتي، وإدارة الخلافات مع المجلس الانتقالي بما لا يمزق الجبهة المناهضة للحوثيين، تعمق الخلاف.
وخسرت السعودية بذلك حليفًا إقليميًا كانت له خبرة مباشرة في الميدان اليمني، وقوى محلية أثبتت قدرتها على القتال على الأرض.
ولا يعني ذلك إنكار الخلافات والمصالح الإماراتية الخاصة في اليمن، ولا أن الرياض وأبوظبي كانتا متطابقتين في رؤيتهما؛ لكن النتيجة السياسية والعسكرية أمامنا اليوم الجبهة التي كانت تقاتل الحوثيين أصبحت أكثر انقسامًا، بينما الحوثيون أصبحوا أقوى.
بعد أكثر من عقد، تجد السعودية نفسها تبحث عن الأمريكي، وعن الباكستاني، وعن التركي، فيما الشريك الإماراتي الذي خاض معها الحرب منذ بدايتها أصبح بعيدًا إلى حد كبير عن المعادلة التي صنعتها الدولتان معًا في 2015.
وفي المقابل، نجح الحوثيون في بناء معادلة جديدة يجب الاعتراف بها مهما كان موقفنا منهم.
ومن نصف الانتصار على خصمك أن تعرف قوته كما هي، لا كما تتمنى أن تكون.
الحوثيون لم يعودوا مجرد جماعة محاصرة في جبال صعدة. أصبحوا يمتلكون صواريخ ومسيّرات وقدرات بحرية، ويهددون منشآت ودولًا وممرات بحرية استراتيجية، ويستطيعون فرض حسابات حتى على القوى الكبرى.
والأهم سياسيًا أن واشنطن باتت تتعامل معهم، رغم ارتباطهم ودعمهم الإيراني، باعتبارهم فاعلًا له حساباته الخاصة ويمكن عقد تفاهم ردع مباشر معه.
هناك تفاهم أمريكي–حوثي: لا تستهدفوا الأمريكيين، ولن نستأنف الحرب عليكم.
وما أورده تقرير «كان» مهم للغاية هنا، أحد أسباب رفض الولايات المتحدة قيادة الحملة السعودية كان تحديدًا أن الحوثيين لم يكونوا يستهدفون السفن الأمريكية.
أي أن واشنطن تستطيع أن تكون في مواجهة مفتوحة مع إيران، وفي الوقت نفسه تقول عمليًا: لدينا تفاهم منفصل مع الحوثيين، وما داموا ملتزمين به فلا نريد فتح جبهة معهم من أجل حرب طرف آخر.