اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

الجنوب بين مطرقة انتهاكات الداخل وسندان ضغوط الخارج.. معركة القرار التي لا تنتهي

يعيش الجنوب اليوم واحدة من أكثر المراحل حساسية وتعقيدًا في تاريخه السياسي، في ظل واقع تتشابك فيه الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية، وتتقاطع فيه ضغوط الداخل مع حسابات الخارج، بينما يجد المواطن الجنوبي نفسه في قلب معركة تتجاوز تفاصيلها اليومية لتلامس جوهر قضية تتعلق بالقرار والسيادة والحق في تحديد المستقبل.
فبينما تتحدث سلطات الداخل عن الشرعية والمؤسسات والقانون، يرى قطاع واسع من الجنوبيين أن هذه الشعارات تفقد معناها عندما تتحول المؤسسات إلى أدوات للصراع السياسي، أو عندما تُستخدم السلطة بصورة لا تعكس تطلعات الناس وحقوقهم، أو حين تصبح الخدمات والمرتبات والموارد أوراقًا للمساومة والضغط. وفي المقابل، لا تبدو ضغوط الخارج أقل تأثيرًا، إذ يواجه الجنوب حسابات إقليمية ودولية تجعل ملفه السياسي جزءًا من ترتيبات أوسع تتعلق بالحرب والسلام والنفوذ والمصالح.
المشكلة الحقيقية ليست في وجود خلاف سياسي بحد ذاته، فالخلافات طبيعية في أي مجتمع، وإنما في أن يتحول الجنوب إلى ساحة لتصفية الحسابات، وأن يصبح المواطن هو الطرف الذي يدفع الثمن كل مرة. فعندما تتراجع الخدمات، وتتأخر المرتبات، وتضيق فرص العمل، وتتراجع قيمة العملة، وتزداد الأعباء المعيشية، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: من يدفع ثمن الصراع السياسي؟ والإجابة واضحة؛ إنه المواطن الذي يجد نفسه محاصرًا بين واقع داخلي مثقل بالأزمات وضغوط خارجية لا تتوقف.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الجنوب لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد مساحة جغرافية أو ورقة عسكرية يمكن تحريكها وفق الحاجة. فالجنوب يمتلك قضية سياسية متجذرة، وله مجتمع وتاريخ وذاكرة سياسية، كما أن أبناءه دفعوا أثمانًا باهظة في مراحل مختلفة من الصراع. ولذلك فإن أي مشروع سياسي يتجاهل هذه الحقيقة محكوم عليه بمزيد من الأزمات، مهما امتلك من أدوات القوة أو الدعم الخارجي.
ومن أخطر ما يمكن أن يحدث أن يتم التعامل مع القوات الجنوبية باعتبارها مجرد قوة متاحة عند الحاجة، تُستدعى إلى هذه الجبهة أو تلك، بينما تُهمّش مطالبها وحقوق أفرادها عندما يتعلق الأمر بالمرتبات أو الرعاية أو القرار العسكري. فالقوات التي تدافع عن الأرض وتتحمل المخاطر يجب أن تكون جزءًا من منظومة وطنية واضحة، لا أن تتحول إلى أدوات في صراعات سياسية متغيرة.
وفي الجانب الآخر، فإن الضغوط الإقليمية لا يمكن فصلها عن المشهد اليمني عمومًا. فالدول المحيطة باليمن تمتلك مصالح أمنية واقتصادية وجيوسياسية مشروعة، لكن مصالح أي دولة لا ينبغي أن تتحول إلى وصاية على إرادة شعب آخر. والفرق كبير بين الشراكة التي تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام، وبين الوصاية التي تجعل القرار المحلي مرهونًا بحسابات خارجية.
ولهذا فإن الجنوب بحاجة إلى إعادة تعريف علاقته بالخارج على أساس واضح: لا عداء مع أحد، ولا تبعية لأحد. فالعلاقات الإقليمية المتوازنة يمكن أن تكون مصدر قوة واستقرار، أما الارتهان الكامل لأي طرف فإنه يضعف القرار المحلي ويجعل مستقبل الجنوب مرتبطًا بتغير موازين القوى خارج حدوده.
وفي الداخل أيضًا، لا بد من مواجهة الخلل بعيدًا عن لغة التخوين والتعميم. فليس كل مسؤول فاسدًا، وليس كل مخالف خائنًا، وليس كل نقد مؤامرة. بناء الجنوب يحتاج إلى مؤسسات قوية، وقضاء مستقل، وأجهزة أمنية منضبطة، وإدارة مالية شفافة، وإعلام مسؤول، وفتح المجال أمام النقد والمساءلة. فالقضية العادلة لا تحتاج إلى إسكات الأصوات، بل تحتاج إلى مؤسسات تجعل العدالة والشفافية واقعًا ملموسًا.
إن أخطر تهديد لأي قضية سياسية هو أن تتحول إلى شعار بلا مشروع مؤسسي. فالحديث عن الدولة لا يكتمل من دون دولة قانون، والحديث عن السيادة لا يكتمل من دون مؤسسات، والحديث عن الاستقلالية لا يكتمل من دون اقتصاد قادر على الصمود، والحديث عن كرامة المواطن لا يكتمل ما لم يجد راتبه وخدمته وأمنه وحقوقه مصونة.
ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية أمام الجنوب ليست فقط مع هذا الطرف أو ذاك، وإنما مع منظومة كاملة من الاختلالات التي تراكمت عبر سنوات. وهي معركة تحتاج إلى وعي سياسي يفصل بين الخصومة والمصلحة، وبين الخلاف والعداء، وبين الشراكة والوصاية.
فالجنوب الذي يريد أن يحافظ على قضيته يجب أن يحافظ أولًا على تماسك مجتمعه. ولا يمكن بناء مستقبل مستقر وسط الانقسامات الداخلية والثارات والمناكفات المناطقية. إن وحدة الصف الجنوبي لا تعني إلغاء الاختلاف، وإنما تعني إدارة الاختلاف بعقلانية، والاحتكام إلى الحوار، وتقديم المصلحة العامة على الحسابات الشخصية والحزبية والمناطقية.
كما أن حماية القضية الجنوبية لا تكون بالخطاب السياسي وحده، وإنما ببناء نموذج مختلف في الإدارة والحكم. نموذج يرى المواطن فيه أن السلطة جاءت لخدمته لا للسيطرة عليه، وأن المسؤول يخضع للمحاسبة، وأن المال العام ليس غنيمة، وأن الوظيفة العامة ليست مكافأة سياسية، وأن القوات الأمنية والعسكرية مؤسسات وطنية لا أدوات لتصفية الخصومات.
وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يصبح القرار الجنوبي المستقل هو القضية الأهم. فالقرار الذي يصنعه الآخرون نيابة عن أبناء الجنوب لن يكون قادرًا على التعبير عن تطلعاتهم مهما كانت الشعارات التي ترفع باسمه. ولذلك فإن الحفاظ على استقلالية القرار يتطلب وعيًا سياسيًا، وتماسكًا اجتماعيًا، ومؤسسات قوية، وعلاقات خارجية متوازنة، وقدرة على رفض أي ضغط عندما يتعارض مع المصلحة العامة.
إن الجنوب لا يحتاج إلى مزيد من الحروب المفتوحة بقدر ما يحتاج إلى تثبيت أمنه، وتحسين أوضاع مواطنيه، وحماية موارده، وبناء مؤسساته، وتعزيز حضوره السياسي. وكل خطوة في هذا الاتجاه تمثل استثمارًا في المستقبل، بينما كل صراع داخلي جديد يستهلك ما تبقى من طاقة المجتمع ويمنح الآخرين فرصة أكبر للتدخل والتأثير.
وفي النهاية، فإن الرسالة الأوضح التي ينبغي أن تُسمع من الجنوب هي أن كرامة المواطن ليست ملفًا ثانويًا، وأن القرار السياسي ليس سلعة للمساومة، وأن الشراكة مع الخارج يجب أن تقوم على الندية والاحترام، وأن السلطة في الداخل لا يمكن أن تطلب الطاعة قبل أن تقدم العدالة والخدمات والمساءلة.
الجنوب أمام مفترق طرق حقيقي: إما أن ينجح أبناؤه في تحويل التضحيات الطويلة إلى مشروع سياسي ومؤسسي متماسك يحمي المجتمع ويصون القرار، وإما أن تستمر حالة الاستنزاف بين ضغوط الخارج وأزمات الداخل، فيبقى المواطن هو الخاسر الأكبر.
لقد آن الأوان لأن يتحول الجنوب من ساحة تتصارع فيها الإرادات إلى طرف يمتلك إرادته، ومن ملف تتداوله القوى إلى قضية يحدد أصحابها أولوياتها، ومن مجتمع يدفع ثمن الأزمات إلى مجتمع يشارك في صناعة مستقبله.
فالقوة الحقيقية ليست في كثرة الشعارات، ولا في ارتفاع الأصوات، ولا في كثرة الخصوم، وإنما في القدرة على بناء مؤسسات تحمي الإنسان، وقرار سياسي يستند إلى إرادة المجتمع، وعلاقات خارجية تحفظ المصالح دون أن تصادر الإرادة. وعندما يمتلك الجنوب هذه العناصر، يصبح من الصعب على أي سلطة في الداخل أو أي قوة في الخارج أن تفرض عليه مستقبلًا لا يختاره أبناؤه. 
زر الذهاب إلى الأعلى