اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

الرياض في حرب اليمن والجنوب: بين نية الخروج والخوف من كلفة التورط دون حل

د. أمين العلياني

حين تدخل الدول الحروب، لا يكون السؤال الأصعب هو كيف تبدأ المعركة، بل كيف تنتهي؛ فالبدايات، مهما كانت معقدة، يمكن أن تصنعها لحظة قرار، أما النهايات فتحتاج إلى شجاعة الاعتراف بالواقع؛ لأن الحروب الطويلة لا تستهلك المال والسلاح والدم وحدها، بل تستهلك وضوح الرؤية، وتستنزف القدرة على التمييز بين ما يمكن فرضه وما يجب الاعتراف به. ومن هنا تبدو الرياض، بعد أحد عشر عامًا من الحرب في اليمن والجنوب بكل تشعباتها وتحولاتها، واقفة أمام مفارقة ثقيلة وكما توحي به المؤشرات، تريد الخروج من تلك الحرب التي طالت أمدها واتسعت كلفتها السياسية والمالية والإعلامية والدبلوماسية والبشرية، لكنها في الوقت نفسه ما تزال تبحث عن مخرج عبر مسارات لا تعترف اعترافًا كاملاً بالحقائق التي صنعتها الحرب نفسها على الأرض، وكأن المشكلة تكمن في نقص الأبواب، لا في الإصرار على طرق الأبواب التي أغلقتها الوقائع الضيقة للمصالح على حساب عدالة قضايا الشعوب المتضررة من الحرب والشعوب التي قاومتها ودفعت في سبيل انتصارها أثمانًا باهظة.
لقد بدا أن محاولة فرض مسار سعودي سياسي مصطنع في الجنوب، أو إنشاء أطر تمثيلية خارج الوزن الحقيقي للإرادة الشعبية التي يمثلها المجلس الانتقالي الجنوبي، تصطدم منذ لحظتها الأولى بسؤال بسيط وعاصف: من يملك الحق في تمثيل قضية شعب الجنوب والتحدث باسم شعبه؟ ذلك سؤال لا تستطيع البيانات أن تجيب عنه نيابة عن إرادة شعب الجنوب وحدها، ولا تستطيع العواصم الإقليمية أن تحسمه بإعادة ترتيب الأسماء والمكونات؛ لأن التمثيل السياسي، في القضايا الوطنية الكبرى، لا يُستورد من الخارج ولا يُمنح بوثيقة اعتماد، وإنما يُكتسب من الواقع ومن القدرة على التعبير عن الإرادة الجمعية المسكونة في وجدان الشعب عن تلك القضايا العادلة التي يجب أن تنتصر. ولهذا فإن كل محاولة لتجاوز القوى التي تمثل الأغلبية الساحقة من المكونات والكيانات الجنوبية المعبرة عن مشروعها السياسي، التي يمثلها المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة الرئيس عيدروس الزبيدي، لا تعني إنتاج بديل مستقر، بقدر ما تعني تأجيل مواجهة الحقيقة، وإضافة طبقة جديدة من التعقيد إلى قضية واضحة في جوهرها.
والمفارقة أن المسار الذي يُراد له أن يبدو طريقًا إلى الحل يتحول، كلما ابتعد عن نبض الواقع، إلى عبء على أصحابه أنفسهم؛ فالمكونات السياسية التي تُنشأ في غرف التفاهمات المغلقة لا تصبح قوية لمجرد أنها أُعلن عنها، كما أن الأسماء لا تتحول إلى إرادة شعبية بمجرد وضعها في صورة واحدة أو اجتماع واحد. ومن هنا فالسياسة ليست هندسة شكلية يمكن فيها تبديل القطع وانتظار النتائج نفسها؛ بل هي علاقة عميقة بين الفكرة وحاملها الاجتماعي، وبين القضية وأصحابها المؤمنون بها، وبين القيادة والشعب الذين يمنحونها القدرة على البقاء، وحين تغيب هذه العلاقة، يصبح الكيان سياسيًّا بلا جذر، والمسار المفروض طريقًا بلا جمهور، والتمثيل عنوانًا يبحث عن مضمونه.
ومن هنا، فإن انتقال الضغط من محاولة صناعة بدائل في الجنوب إلى محاولة محاصرة المشروع السياسي القائم أو التعامل معه بوصفه عقبة ينبغي تجاوزها، لن يغير من طبيعة المسألة شيئًا. فالقضايا الوطنية لا تُحل بإقصاء من يمثلونها، ولا تتحول إلى عدم بمجرد تجاهلها، بل إن تجاهل الحقيقة السياسية كثيرًا ما يجعلها أكثر حضورًا، لأن الشعوب حين تشعر بأن إرادتها تُدار من خارجها تصبح أكثر تمسكًا بما تعدّه عنوانًا لتلك الإرادة، وما يحتاجه الجنوب ليس وصاية تحدد له ما يجب أن يريد، ولا هندسة خارجية تحدد له من يحق له أن يتكلم باسمه، وإنما فضاء سياسي حر يستطيع فيه شعب الجنوب أن يعبر عن خياره، وأن يحدد ممثليه، وأن يقرر شكل مستقبله من دون إقصاء أو فرض.
وهنا تكمن النصيحة السياسية التنويرية والمجانية، وربما الأكثر كلفة إذا تأخرت الرياض في الإصغاء إليها: وهي إذا كانت المملكة تبحث حقًّا عن حل دائم، فعليها أن تبدأ بالاعتراف بأن اليمن والجنوب ليسا مسألتين متماثلتين، ولا قضيتن متشابهتين وأن الخطأ الأكبر أن تتعامل معهما بوصفهما قضية واحدة. ففي اليمن تبدو الأزمة، في جانب جوهري منها، أزمة قوى تتنازع السلطة والدولة ومراكز النفوذ؛ ولهذا فإن التسوية الممكنة، مهما كانت صعبة، تمر عبر المصالحة بين القوى المتصارعة، وبناء ضمانات وآليات واضحة لتوزيع السلطة ومنع احتكارها، وإيجاد صيغة سياسية تقبل بها الأطراف المختلفة. أما الجنوب، فالقضية مختلفة في بنيتها ومنطلقها ووعي شعبها بها؛ لأنها في وجدان شعب الجنوب، قضية وطن وهوية وحق في تقرير المستقبل، وليست مجرد نزاع على حصة في حكومة أو مقعد في مؤسسة أو نصيب في سلطة مركزية.
وهذا هو الفارق الذي ينبغي التوقف عنده طويلًا: وهو كيف يمكن لتقاسم السلطة أن يعالج نزاعًا بين شركاء الدولة، لكنه لا يستطيع، بمفرده، أن يحل قضية شعب يشعر بأن أصل المسألة أعمق من توزيع المناصب. ولهذا فإن تحويل قضية الجنوب إلى ملف مظلوميات اجتماعية، أو إلى مسألة إدارية تحلها اللامركزية، أو إلى مشكلة يمكن احتواؤها بشراكة مؤقتة في السلطة، يعني في الحقيقة معالجة الأعراض وترك الجرح مفتوحًا. وبهذا فليست كل أزمة قابلة للحل بتغيير شكل الإدارة، وليست كل قضية سياسية قابلة للاحتواء بزيادة عدد الشركاء في الحكومة؛ فبعض الأسئلة تبقى قائمة مهما تغيرت الصيغ؛ لأنها أسئلة تتعلق بالهوية السياسية وبحق الناس في اختيار مستقبلهم.
ولعل تجربة اتفاقيات الرياض وما تلاها تقدم مثالًا لا يجوز تجاهله؛فإذا كانت الصيغ التي أنتجتها الاتفاقات السابقة قد امتلكت القدرة الكافية على حل جوهر قضية الجنوب، فلماذا بقيت القضية قائمة بكل هذا الحضور؟ ولماذا تعثرت مراحل التنفيذ وتبدلت الأولويات وتراجعت الوعود؟ إن الإجابة لا تكمن فقط في صعوبة التطبيق، بل في أن الحلول التي تُبنى على إدارة الواقع من دون الاعتراف بجذور المشكلة سرعان ما تصطدم بالواقع نفسه، ولا يمكن للاتفاق أن يهدئ التوتر، ويمكن للتسوية أن تؤجل الصدام، لكن السلام الدائم يحتاج إلى معالجة السؤال الذي ظل يؤجل باستمرار.
إن الرياض، إن كانت قد وصلت فعلًا إلى قناعة بأن الخروج من هذه الحرب ضرورة، فإن أقصر الطرق إلى الخروج ليس بناء مسارات موازية للواقع، ولا محاولة إرضاء جميع القوى المتناقضة على حساب الحقائق، ولا البحث عن صيغة ترضي الحوثي من جهة والقوى اليمنية المقيمة خارج مناطق اليمن من جهة أخرى، ثم مطالبة الجنوب بأن يقبل بما تقرره تلك التوازنات، بل أن المخرج الحقيقي يبدأ من الاعتراف بأن لكل قضية طبيعتها، وأن العدالة السياسية لا تتحقق بإجبار المختلفين على الدخول في قالب واحد.
ففي اليمن، يمكن أن يكون مفتاح السلام في مصالحة القوى المتصارعة على السلطة، وفي وضع قواعد عادلة وملزمة لتقاسم النفوذ والدولة؛ لأن المشكلة هناك تدور، بدرجات مختلفة، حول من يحكم وكيف تُدار السلطة. أما في الجنوب، فإن تجاهل إرادة الشعب والبحث عن ممثلين مفترضين لهم لن يصنع استقرارًا؛ لأن من فقد وطنًا، أو يشعر بأنه فقد حقه في تقرير مصير وطنه، لا يمكن إقناعه بأن المشكلة حُلّت لمجرد حصوله على منصب أو نسبة في حكومة، وهذه حقيقة سياسية ينبغي النظر إليها كما هي، لا كما يراد لها أن تكون.
إن كلفة التورط في الحروب لا تتوقف عند ما يُنفق في ساحات القتال؛ فهناك كلفة أكبر تدفعها الدول حين تصبح أسيرة لمسارات سياسية تعرف في قرارة نفسها أنها لا تملك شروط النجاح، وكل يوم يُهدر في محاولة تجاوز الإرادة الشعبية يصبح يومًا إضافيًّا في عمر الأزمة، وكل محاولة لصناعة تمثيل بلا قاعدة هي استثمار في الهشاشة، وكل تأجيل للاعتراف بالحقائق يجعل لحظة الحل أكثر صعوبة وكلفة.
لقد آن الأوان لأن تُطرح المسألة بوضوح: إذا كانت الرياض تريد الخروج من حرب اليمن والجنوب، فعليها ألا تبحث عن باب خروج يمر فوق الحقائق، بل عن سلام يقوم عليها. وعليها أن تفرق بين نزاع السلطة وقضية شعب تبحث عن وطن تنتمي إليه ويعبر عن هويتها المسلوبة، بين المصالحة الممكنة بين فرقاء اليمن وبين حق شعب الجنوب في التعبير الحر عن مستقبله، وبين صناعة الحل وبين مجرد إدارة الأزمة. فالسلام الذي يُبنى على إرضاء الجميع في الغرف المغلقة قد يعيش أيامًا، أما السلام الذي يصغي إلى الشعوب فيستطيع أن يعيش زمنًا أطول من الاتفاقات نفسها.
والجنوب، في نهاية المطاف، لا يحتاج من أحد أن يكتب له إرادته، كما أن اليمن لا يحتاج إلى حروب جديدة لإثبات أن التسوية بين قواه المتصارعة قد أصبحت ضرورة وإن الطريق إلى المخرج موجود، لكنه يتطلب شجاعة سياسية وهو دعوا اليمنيين يتصالحون على سلطةٍ يتنازعون عليها، ودعوا شعب الجنوب يقرر مستقبل وطنٍ يرى أن قضيته لا تختزل في سلطة، وعندها فقط يمكن أن يتحول الحديث عن الخروج من الحرب من أمنية مؤجلة إلى سياسة واقعية، ومن إدارة للكلفة إلى صناعة للحل، فالحروب لا تنتهي حين يتعب المتحاربون وحدهم، بل حين تتعب الأوهام أيضًا، وأخطر الأوهام أن يظن أحد أن بإمكانه صناعة مستقبل الشعوب من دون أن يسمع صوتها ويحترم إرادتها الحرة.

زر الذهاب إلى الأعلى