اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

بين رحيل والدي وخالي.. فرقان لا تنساهما الذاكرة ما دامت الحياة

مختار حسين السعيدي

شتان بين رحيلين، وذكريات لا تمحوها السنين، ولا تبرح القلب حتى تلقى الرب-تعيد إليّ الذكريات الآلام والأحزان، وتستعر نارها في شهر أغسطس الذي صار موسمًا للفقدان؛ فيه رحيل والدي العميد حسين سعيد راجح، واستشهاد أخي سعيد حسين، والقائمة تطول، وآخرها رحيل خالي العزيز (بالليل خضر) في الليل البهيم.

فكانت المصادفة أن كنتُ مرافقًا لوالدي في مرضه، فأحسستُ بكل ألمٍ في جسده كأنه يقطع قلبي، وفي أملٍ كانوا ينادوني به: “سيستعيد عافيته ويعود إلى أرض الوطن، وتعود الحياة كما كانت”. وها هي القصة تتكرر، فكنتُ مرافقًا لخالي العزيز في مرضه الذي أصابه، فبسرعة البصر أنهك جسده النحيل الذي كان يمتلئ بالحيوية والنشاط والعنفوان، وكأنه لا يحسّ بما يعانيه، مع أن المرض كان ينهش كل بقعةٍ من جسده الطاهر. لم تمضِ إلا بضعة أيام، وتحدث الفاجعة؛ كان يتحدث أمامي عن معنوياته وحبه للوطن، فأثنى على صحته وأمله بالعودة إلى أرض الوطن سالماً غانماً.

لكن الحياة ليست كما نخطط، ولا كما تشتهي الأنفس؛ الأقدار تسوقها إلى حيث يشاء رب العباد، وتُصوّبها بما تخفيه الأيام من خفايا، فتجعَلنا نتحسّر على كل لحظة عشناها مع من أحببنا- إنها ساعات الفراغ التي تترك مواقف من الصعب أن ينساها الإنسان ما دام على هذه الأرض، لكن قدرة الله لا تُردّ، ولا اعتراض على قضائه.

كلماتٌ ما زالت في ذاكرتي، كنت أسمعها من والدي كنصائح، وبعضها من حديث خالي العزيز – رحمة الله تغشاه – وكانت آخر كلماته أن يوصيني بالشدّة والتحمّل، وأن أمرًا قادمًا بمشيئة الله لا أقدر على تقبله. لكن الأيام علمتني الصبر والثبات من هؤلاء الرجال الذين لا تمحوهم الذكرى، وتقبّل أي حال من الأحوال، حين كنت أرى انهيار صحتهما يومًا بعد يوم. فهكذا الحياة: دروسٌ وعِبَر، ومحطاتٌ تخطّها الأقدار لتُذكّرنا بأن الدنيا دارُ فناء، وأن البقاء لله وحده.

سنواتٌ عشتها وتعلّمت منكما، لكنها والله ذهبت كلمح البصر، ولم نعلم أن الله يأخذ الأرواح دون وداع. تركتم وراءكم إرثًا وخبرة في العمل الأكاديمي والعسكري، أثبتتم طيلة حياتكم أنكم قادة من الطراز الفريد، سيذكركم الأجيال القادمة بما تركتموه من عمل وتفانٍ لا نظير له في هذا الجيل الذي عاش معكم. فكلمة “وداع” ليست وفية لذكراكم، ولا تكفي لعظيم ما زرعتم؛ ما تركتم من سيرٍ عطرةٍ خلال حياتكما هو الذي سيخلد، وتبقى أسماؤكم محفورة في القلوب كالنجوم الثوابت.

أما وقد ودّعنا الأجساد، فإن الأرواح تبقى في عليين، والذكرى الطيبة خيرُ ما يُورث.رحلتم جسديًا،لكن حضوركم لا يزول، ووصاياكم نبراسٌ نهتدي به. أسأل الله أن يغشاكم بواسع رحمته، وأن ينير قبوركم بنور الإيمان يوم البعث والنشور، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
إلى جنة الخلد بإذن الله، حيث لا فراق ولا ألم، وحيث يجتمع الأحبة في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

رحمك الله يا والدي، ورحمك يا خالي، وأسكنكما فسيح جناته، وألهمنا الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

زر الذهاب إلى الأعلى