#خيانة العروش وبيع الضمائر: حين تشتري الرياض “الدواشين” وتخسر الشرفاء

كتب/صالح الضالعي
أكدت جغرافيا السياسة وتقلبات التاريخ، بأمسِه القريب وحاضره المشحون، أن النظام السعودي وأجهزته الاستخباراتية لم يفلحوا يوماً في استمالة قلوب الشعوب ولا نيل ودّ الأحرار، رغم السخاء الأعمى والملايين المؤلفة التي أُهدرت على موائد المظاهر. فالولاءات التي تُبنى بالمال والذهب تزول مع أول هبة نسيم، والقلوب لا تُشترى بستائر الشقق الفارهة ولا برحيق السيارات اللامعة.
ولعلّ ما يشهده جنوبنا الحبيب اليوم يمثل شاخصاً حياً لهذه النظرة القاصرة؛ فمنذ أن غدر ذلك النظام بحليفه الميداني الصادق، مستهدفاً القوات الجنوبية بضرباتٍ مخزية خلّفت مئات الشهداء والجرحى في لحظةٍ فارقة كان يُفترض فيها صون العهد ورعاية الوفاء، انكشفت سوأة سياسة تُدار بالعنجهية وتفتقر لأبسط قواعد الكياسة الاستراتيجية. لم يكتفِ هذا المسار بالقتل والتدمير، بل تمادى في حماقته حين تطاول على رمزية النضال الجنوبي وقيمته القدسية في وجدان الشعب، عبر استهداف منزل القائد عيدروس الزبيدي، في محاولة بائسة لإرضاء خصوم الأمس من قوى الشمال، حوثيين كانوا أم إخواناً.
لقد قدمت “اللجنة الخاصة” نموذجاً صارخاً للارتباك الأخلاقي والسياسي؛ إذ أمعنت في الاستهانة بالدم الجنوبي وتخوين رموزه، ظناً منها أنها تستطيع إعادة إحياء أشباحٍ سياسية شاردة من ديارها، أفرادٍ بلا رصيد شعبوي ولا أثر في وجدان الناس. خطأٌ تاريخي متكرر يُثبت إدمان هذه الأجهزة على قراءة الواقع بعيون زجاجية لا تُبصر الحقائق الميدانية.
وفي سياق هذا التخبط، أُغلق الباب في وجه المثقف الحُر، والسياسي الرصين، والخبير الاقتصادي والاجتماعي، لأنهم يملكون من القيم والمبادئ ما يمنعهم من أن يكونوا أدوات تُدار بالتحكم عن بُعد. وبدلاً عنهم، قُرّب “الدواشين” وبائعو الضمائر على منصات التواصل الاجتماعي؛ أولئك الذين يتبجحون اليوم بامتلاك الأرصدة الخيالية والمظاهر الزائفة مقابل مسح الجوخ وتلميع صفيحٍ يوشك أن يدركه الصدأ.
إنها نظرة استعلائية واهمة تظن أن تركيع الشعوب وقهر إرادتها يتحقق بشراء ثلة من “المفسبكين” بلا مبدأ ولا ضمير. ولكن التاريخ يمهل ولا يهمل؛ فالشعوب الحرة لا تُباع في المزاد، والأقنعة التي صُنعت بالمال ستتساقط حتماً، وإن غداً لناظره قريب