اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

بين «منّي» و«إليّ»: معراج مريميات المدينة المريمية

: د. مريم العفيف

في عتبة الوجود، لا يرتطم العارف بذاته اغتراباً كما توهم سارتر في مفهومه عن «الآخرين هم الجحيم»، بل يتجلى في مدارات الكينونة؛ لا ليرتعد من الفناء، بل ليرتقي من تشتت العرض إلى صفاء الجوهر. هنا تتكثف لافتة أحمد مطر، لتوصل الشكوى الزمنية بمعراج فلسفي مشرق، ومناجاة وجودية تعتنق الذات بالحب، مستجيبة للمبدأ السقراطي الخالد “اعرف نفسك بنفسك”، والنداء الأزلي: “من عرف نفسه فقد عرف ربه”.
إنني أعشق هذا النص حتى الثمالة؛ لأنه يجسد طقوسي مع الروح، حين أخاطبني حسا، وأحبني لطفا، وأعشقني شغفا، وأجيء إلي دوما. هذا البيت ليس أسطراً تُقرأ، بل هو الماهية التي أبصر فيها انتمائي الأبدي لكياني، والتزامي الصارم بألا أهجرني؛ لأنني أعرفني.
اللقاء في النص ليس تجزئة للمكون الإنساني، بل هو انبثاق العقل الخالص واستراحة السالك في مقام الوجد. حين يقول الشاعر: «صدفة شاهدتني في رحلتي مني إلي»، فهو يعلن ارتقاء الوعي بالمحبة؛ حيث تنفصل «الأنا العابرة» لتتحد بالذات الملكوتية المطلقة، في حركة تشبه «العود الأبدي» عند نيتشه، لكن بنشوة عرفانية مفعمة بالحب. تتجلى هنا ظاهرة «الشبيه» في الأدب الكلاسيكي، لا كرمز للرعب كما عند دوستويفسكي، بل كمرآة لللطف والتصالح. «مني إلي» ليست هدم مسافة، بل الجسر الفلسفي الذي يصل عاشق الذات بمعشوقه الداخلي؛ هي لحظة العود للجوهر، حيث نتسامى بالاحتضان.
ثم تنساب الحميمية كفيض من الإشراق: «مسرعا قبل عيني وصافح يدي». إنها ليست حركة وداعية، بل إثبات فلسفي للوجود بالحب؛ احتضان كامل لأطياف النفس ودواخلها دون إطلاق أحكام، ينقذ الذات من التفكك النفسي. قبلةُ الذات تُطلق الحواس من أسر «عالم الظلال» عند أفلاطون لتبصر الحقيقة الوجودية الخالصة، ومصافحةُ عهد أزلي بالوفاء للكيان. هذا الحنان ينصهر مع تجليات السهروردي وفيوضات ابن عربي حين يرى المطلق في كل مظهر، وينسجم مع فلسفة سبينوزا في «حب الذات الإلهي» باعتباره أعلى مراتب المعرفة.
وحتى الاعتذار: «قلت لي: عفوا.. فلا وقت لدي»، لا يجيء كضرورة اغترابية تحت وطأة «الزمن الفيزيائي»، بل كفطنة الوعي المشتاق؛ فالمرء لا يهرب من ذاته نفوراً، بل يركض شغفاً لتأكيد ماهيته، حاملاً يقين هايبرغ وبارمنيدس بأن «زمن الصيرورة» الفاني أضيق من أن يسع ثبات الروح المطلق.
وحين يصل النص إلى ذروته: «أنا مضطر لأن أتركني.. بالله سلم لي علي!»، تتحول العبارة إلى صلاة أنطولوجية وميثاق شوق. القسم «بالله» يرتقي بالعلاقة إلى التسليم لـ «واجب الوجود» عند ابن سينا؛ يستودع الروح في رعاية الحق كأنه يقول: أنا أسعى في عالم التغير، لكن جوهري يظل ثابتاً في حماك.
إنه الصوت الصارخ بالحب الذاتي الفاعل: أن تشتاق لنفسك حساً ومعنى، وتجعل سلامك ميثاقاً ممتداً. إن هذا النص هو نشيد المحبة الخالدة؛ دعوة شفيقة لأن نمارس التفكيك الكوني، ونرجع إلى ذواتنا بفيض اليقين. إنه الجسر الوضاء الذي يذكرنا أن أعظم رحلة يخوضها الإنسان، هي تلك التي تكون «منه».. «إليه».. وبكل الحب.

زر الذهاب إلى الأعلى