#مقالة_فاطمة_اليزيدي:الجغرافيا تحسم والسياسة تعترف.. لا تسوية تُبنى فوق إرادة الميدان

لم يعد من المقبول سياسيًا ولا منطقيًا الاستمرار في التعامل مع الجنوب باعتباره ملفًا هامشيًا يمكن وضعه على طاولة التفاوض متى شاءت الأطراف، ثم تأجيله متى شاءت، أو اختزاله في أسماء وشخصيات ووفود ومقاعد تفاوضية. هذه المقاربة لم تعد تعكس حقيقة الواقع، ولا تستوعب التحولات العميقة التي شهدتها الساحة السياسية والعسكرية والاجتماعية خلال السنوات الماضية. فالجنوب ليس بندًا تفاوضيًا عابرًا، وليس مشروع نخبة سياسية تبحث عن حصة في سلطة، وليس تفصيلًا يمكن إدارته عبر البيانات واللقاءات الشكلية، وإنما هو قضية شعب متجذرة، وإرادة سياسية متراكمة، وواقع جغرافي لا يمكن فصله عن معادلات الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة.
ومن يحاول قراءة المشهد بعيدًا عن هذه الحقيقة، إنما يقرأ نصف الصورة ويترك نصفها الآخر في الظل. فالسياسة ليست مجرد نصوص تُكتب في غرف مغلقة، ولا مجرد تفاهمات تُصاغ بين مجموعة من السياسيين، وإنما هي في جوهرها انعكاس لموازين اجتماعية وجغرافية وسياسية وأمنية تتفاعل على الأرض. وعندما تكون هناك قضية امتلكت هذا الحضور الشعبي والسياسي طوال سنوات طويلة، فإن تجاوزها لا يعني انتهاءها، كما أن تجاهل صوت الشارع لا يعني إلغاء الإرادة التي أنتجت هذا الصوت.
إن الجنوب كيان سياسي واجتماعي متجذر في الوعي العام، وأحد الأطراف الأصيلة في المعادلة اليمنية، والتعامل معه على أنه مجرد طرف يمكن استدعاؤه إلى طاولة ثم إخراجه منها وفقًا لمتطلبات اللحظة السياسية، هو خطأ في قراءة طبيعة الصراع قبل أن يكون خلافًا في المواقف. فالطرف الذي يملك حضورًا على الأرض، وله قاعدة شعبية، وله رؤية سياسية، وله امتداد اجتماعي وجغرافي وأمني، لا يمكن اختزاله في خانة «المشاركة» أو «التمثيل»، لأن القضية أكبر من شكل الوفد وأسماء المشاركين.
وهنا ينبغي التمييز بوضوح بين الأشخاص والقضية. فالأشخاص يتغيرون، والقيادات تتبدل، والتحالفات تتشكل وتنتهي، والمكونات السياسية قد تعيد ترتيب صفوفها، لكن ذلك كله لا يلغي أصل القضية ولا يمحو جذورها. ومن الخطأ الفادح أن تتحول الخلافات حول تمثيل الجنوب إلى ذريعة لتجاهل القضية نفسها، أو أن يصبح الاختلاف بين القوى الجنوبية مدخلًا للقول إن الجنوب لا يمتلك موقفًا سياسيًا. فالاختلاف السياسي ظاهرة طبيعية في أي مجتمع، ولا يعني غياب القضية، كما أن تعدد الأصوات لا يمنح الآخرين حق مصادرة الصوت العام أو رسم المستقبل نيابة عن أصحابه.
إن القضية الجنوبية ليست وليدة لحظة سياسية طارئة، وليست نتاج بيان أو اجتماع أو تحالف حديث، وإنما هي نتيجة تراكم تاريخي وسياسي واجتماعي طويل، ولهذا فإن محاولة اختزالها في مرحلة زمنية محددة أو في مكوّن بعينه لا تخدم الحقيقة، بل تعكس رغبة في تبسيط مشهد شديد التعقيد. القضية أكبر من الأشخاص، وأعمق من التنظيمات، وأوسع من حدود أي تفاهم سياسي مؤقت.
والأهم من ذلك كله أن موقع الجنوب يجعل القضية ذات أبعاد تتجاوز الداخل اليمني. فالجغرافيا هنا ليست مجرد مساحة على الخريطة، وإنما عنصر أساسي في فهم الأمن الإقليمي. الجنوب يطل على بحر العرب وخليج عدن، ويتصل بممرات بحرية وتجارية بالغة الحساسية، ويقع في نطاق جغرافي يرتبط بصورة مباشرة بأمن الجزيرة العربية والخليج والبحر الأحمر والملاحة الدولية. ولذلك فإن استقرار الجنوب ليس قضية منفصلة عن استقرار الإقليم، وأي اضطراب واسع في هذه الجغرافيا لا يمكن أن يبقى محصورًا داخل حدود اليمن.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، فإن الحديث عن الجنوب باعتباره خط دفاع جيوسياسي متقدمًا عن الجزيرة والخليج ليس خطابًا دعائيًا، بل قراءة لطبيعة الموقع وأهميته الاستراتيجية. فالدول لا تقرأ الجغرافيا بالعواطف، والقوى الإقليمية لا تنظر إلى السواحل والممرات البحرية باعتبارها مجرد تضاريس، وإنما تتعامل معها باعتبارها عناصر من عناصر الأمن القومي وحماية التجارة والطاقة والممرات الدولية ومواجهة المخاطر العابرة للحدود.
ولهذا فإن أي مشروع سياسي يتجاهل هذه المعادلة الجغرافية سيكون مشروعًا ناقص القراءة، مهما كانت قوة اللغة التي يستخدمها أو كثرة الاجتماعات التي يعقدها. فالسياسة التي لا ترى الجغرافيا لا تستطيع بناء أمن مستدام، والتسوية التي لا تستوعب موقع الجنوب في الخارطة الإقليمية ستظل عاجزة عن تقديم إجابة حقيقية عن سؤال الاستقرار.
ونحن هنا لا نصدر أحكامًا انطباعية، ولا نقرأ المشهد من زاوية العاطفة وحدها، بل نقرأ الظاهرة السياسية قراءة استقرائية واستنباطية، نربط بين المقدمات والنتائج، وبين التحولات السياسية والتطورات الميدانية، وبين الجغرافيا ومصالح الأمن الإقليمي، وبين الإرادة الشعبية ومسارات التفاوض. وعندما توضع هذه العناصر كلها أمام بعضها، فإن النتيجة تصبح أكثر وضوحًا: لا يمكن بناء تسوية مستقرة بتجاوز أحد الأطراف الأصيلة في المعادلة، ولا يمكن اختزال قضية شعب في محضر اجتماع، ولا يمكن تحويل قرار المصير إلى بند مؤجل إلى أجل غير معلوم.
إن أي حوار سياسي جاد ينبغي أن يبدأ من الاعتراف بالواقع، لا من محاولة إعادة صياغة الواقع بما يتناسب مع رغبات الأطراف. والحوار الذي يبدأ بتجاهل القضية الجنوبية ثم يطلب من الجنوبيين القبول بمخرجات جاهزة قبل الدخول إلى النقاش، لا يكون حوارًا بالمعنى السياسي للكلمة، وإنما يكون مجرد عملية لإضفاء غطاء تفاوضي على نتائج تم إعدادها مسبقًا. أما الحوار الحقيقي فهو الذي يدخل إليه الجميع وهم يدركون أن لكل طرف حقوقًا ومصالح ومخاوف ورؤية للمستقبل، وأن الحل المستدام لا يصنعه الإقصاء ولا تفرضه لغة الوصاية.
ومن هنا فإن تجاوز الإرادة الجنوبية ليس مجرد خطأ في التقدير، بل خلل في تعريف المشكلة نفسها. لأن من يتعامل مع القضية باعتبارها أزمة تمثيل فقط، يفترض ضمنًا أن تغيير الأشخاص يمكن أن ينهي الأزمة، بينما الواقع أكثر عمقًا من ذلك بكثير. فالمسألة مرتبطة برؤية كاملة لشكل الدولة ومستقبلها، وبقضايا سياسية وحقوقية واقتصادية وأمنية واجتماعية، وبسؤال جوهري يتعلق بمن يقرر مستقبل الأرض ومن يملك حق التعبير عن إرادتها.
ولهذا فإن أي محاولة لإدارة القضية عبر الاجتماعات الشكلية، أو عبر إعادة تدوير الشخصيات، أو عبر إنشاء أطر تفاوضية لا تعكس الواقع الحقيقي، لن تنتج إلا مزيدًا من الفجوة بين طاولة السياسة وميدان الواقع. وكلما اتسعت هذه الفجوة، أصبح من الصعب بناء ثقة حقيقية، لأن الناس لا تقيس السياسة بما يكتب في البيانات فقط، وإنما بما يرونه في حياتهم اليومية، وبما يلمسونه من احترام لإرادتهم وحقوقهم ومصالحهم.
إن الجنوب ليس بحاجة إلى أن يثبت وجوده كل يوم أمام من يصر على تجاهله، فوجود القضية واضح في التاريخ والسياسة والجغرافيا والمجتمع. وليس مطلوبًا من أحد أن يمنح الجنوب شهادة بوجوده حتى يصبح طرفًا، لأن الطرف السياسي لا يصبح طرفًا بقرار من الآخرين، وإنما بحضوره الفعلي في معادلة الأحداث. وكلما حاول البعض التعامل معه باعتباره تفصيلًا يمكن تجاوزه، عاد الواقع ليؤكد أن المسألة أكبر من ذلك بكثير.
وفي هذا السياق، فإن الحديث عن الحوار لا ينبغي أن يتحول إلى شعار للاستهلاك السياسي. فقبل الدخول في أي مسار تفاوضي حقيقي، لا بد أن تكون هناك إجراءات تؤسس للثقة وتمنع إعادة إنتاج الأسباب التي أوصلت المشهد إلى هذه المرحلة. لا يمكن أن يكون الحوار مجرد ستار لتأجيل القضايا الأساسية، ولا يمكن أن تكون المشاركة مجرد صورة إعلامية، ولا يمكن أن تتحول العملية السياسية إلى وسيلة لفرض تصور واحد على مجتمع كامل.
إن الحوار الذي يستحق اسمه هو الحوار الذي يحترم إرادة الناس، ويعترف بتعدد الآراء، ويبحث عن حلول سياسية قابلة للحياة، ولا يضع نتائج مسبقة قبل أن تبدأ المفاوضات. أما أن يُطلب من طرف أن يدخل إلى الحوار بعد أن تكون قضيته قد اختزلت، ورؤيته قد جرى تجاوزها، وحقوقه قد وضعت في خانة الملفات المؤجلة، فهذه ليست عملية سياسية متوازنة، مهما كانت العبارات الدبلوماسية المستخدمة لوصفها.
والأمر لا يتعلق هنا برفع سقف الخطاب من أجل التصعيد، وإنما بتثبيت قاعدة سياسية بسيطة: لا يمكن بناء مستقبل مستقر فوق تجاهل إرادة أصحابه. ومن يريد حلًا حقيقيًا فعليه أن يتعامل مع الحقيقة كما هي، لا كما يتمنى أن تكون. ومن يريد دولة مستقرة فعليه أن يعالج القضايا التي أنتجت الصراع، لا أن يضع عليها طبقات جديدة من التأجيل.
إن الجنوب طرف أصيل في المعادلة، وليس تابعًا في مشروع سياسي يقرر الآخرون ملامحه ثم يطلبون منه المصادقة عليه. وهو كذلك ليس مشروع نخبة تبحث عن امتيازات شخصية، لأن القضية الجنوبية أوسع من الأشخاص وأعمق من المصالح الفردية. إنها قضية ترتبط بإرادة شعب وبسؤال مصير وبجغرافيا استراتيجية وبمعادلة أمنية إقليمية، ولهذا فإن أي قراءة سياسية جادة لا بد أن تضع كل هذه العناصر في قلب التحليل، لا في هامشه.
وإذا كان المطلوب فعلًا هو الوصول إلى سلام مستدام، فإن أول خطوة في الطريق ليست القفز فوق القضية، بل الاعتراف بثقلها السياسي. وليست محاولة إسكات الأصوات، بل فتح المجال أمامها. وليست هندسة تمثيل صوري، بل بناء تمثيل حقيقي يستطيع التعبير عن مختلف الرؤى الجنوبية. وليست صناعة اتفاق سريع يرضي غرف السياسة، بل بناء صيغة تستطيع الصمود أمام اختبار الشارع والواقع والمستقبل.
فالمعادلات الكبرى لا تسقط لأنها لم تعجب بعض الأطراف، والقضايا المتجذرة لا تختفي لأنها لم تُدرج في جدول أعمال اجتماع، والإرادة الشعبية لا تنتهي بانتهاء مؤتمر صحفي. السياسة الحقيقية هي القدرة على استيعاب هذه الحقائق وتحويلها إلى مسار تفاوضي مسؤول، وليس محاولة دفنها تحت ركام البيانات.
ولهذا فإن الرسالة التي ينبغي أن تكون واضحة لكل من يتعامل مع مستقبل اليمن هي أن تجاوز الجنوب يعني تجاوز طرف أصيل من أطراف المعادلة، وأن تجاهل إرادته يعني إفراغ أي عملية سياسية من جزء أساسي من شرعيتها، وأن التعامل معه باعتباره بندًا ثانويًا هو قراءة خاطئة لطبيعة القضية ولحجمها ولأبعادها الإقليمية.
لقد تغيرت المعادلات، وتغيرت موازين القوى، وتغيرت طبيعة المشهد، ولم يعد ممكنًا إعادة إنتاج الماضي بالأدوات نفسها ثم انتظار نتائج مختلفة. ومن يريد أن يفتح صفحة جديدة فعليه أن يقرأ الصفحة السابقة جيدًا، وأن يفهم لماذا وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه، وأن يدرك أن القضايا الكبرى لا تعالج بالمسكنات السياسية.
إن المطلوب ليس خطابًا مرتفع النبرة لمجرد رفع النبرة، وإنما موقف سياسي صلب وواضح يقول إن الإرادة الجنوبية ليست مادة قابلة للحذف من أي معادلة تفاوضية، وإن القضية ليست مساحة للمساومات المغلقة، وإن المستقبل لا يمكن أن يقرر من فوق رؤوس الناس.
وفي النهاية، فإن الحقيقة التي لا تحتاج إلى كثير من الزخرفة هي أن الجنوب ليس فراغًا سياسيًا ينتظر من يملؤه، وليس صفحة بيضاء تنتظر من يكتب عليها، وليس هامشًا يمكن أن يعيش خارج الحسابات. إنه طرف حاضر، وواقع متجذر، وموقع جغرافي استراتيجي، وإرادة سياسية لا يمكن اختزالها في اجتماع أو بيان أو اسم عابر.
ومن يظن أن تجاوز هذه الحقيقة سيجعل الطريق أقصر، فهو لا يقرأ السياسة كما ينبغي. ومن يعتقد أن تأجيلها سيجعلها تختفي، فهو يخلط بين تأجيل النقاش وحل القضية. ومن يتعامل معها بمنطق الوصاية، فإنه لا يبني تسوية، بل يوسع المسافة بين طاولة التفاوض وميدان الواقع.
أما الطريق الأكثر عقلانية وشجاعة، فهو أن تُقرأ المسألة كما هي، وأن يُعترف بأن الجنوب طرف أصيل، وأن تُحترم إرادته، وأن يكون الحوار جادًا وغير صوري، وأن يكون القرار السياسي نابعًا من الواقع لا مفروضًا عليه.
فالجنوب ليس بندًا على هامش التسوية حتى يُؤجَّل، وليس مشروع نخبة حتى يُختزل في أسماء، وليس قضية عابرة حتى تُدار بالبيانات. إنه قضية شعب، وقرار مصير، وإرادة ميدان، ومعادلة جيوسياسية لا يمكن فصلها عن أمن اليمن والجزيرة والخليج. ومن يريد صناعة مستقبل حقيقي، فعليه أن يتعامل مع هذه الحقيقة كاملة؛ لأن من يتجاوز إرادة الشارع لا يتجاوز صوتًا عابرًا، وإنما يتجاوز أساسًا من أسس أي تسوية يمكن أن تعيش وتستمر.