عبداللطيف السيد.. ثلاث سنوات على رحيل قاهر الإرهاب ، وثلاث سنوات والجنوب لا ينسى رجاله

كتب/فاطمة اليزيدي:
ثلاث سنوات على رحيل قاهر الإرهاب عبداللطيف السيد، ثلاث سنوات مرّت منذ ذلك اليوم الثقيل الذي انطفأت فيه حياة رجل لم يكن حضوره عابرًا في ذاكرة أبين والجنوب، ولم يكن اسمه مجرد اسم لقائد أمني مرّ في زمن مضطرب ثم مضى، بل كان عبداللطيف السيد واحدًا من أولئك الرجال الذين صنعتهم المراحل الصعبة، ووضعتهم الظروف في مقدمة الصفوف، فاختاروا أن يكونوا حيث يكون الخطر، وأن يحملوا على أكتافهم مسؤولية مواجهة الإرهاب في واحدة من أكثر الجبهات الجنوبية اشتعالًا وتعقيدًا.
في العاشر من أغسطس، لا تستعيد أبين ذكرى رجل فقط، وإنما تستعيد فصلًا كاملًا من حكايتها، تستعيد سنوات كانت فيها الأرض الجنوبية تواجه خطر الإرهاب، وتستعيد أسماء رجال حملوا أرواحهم على أكفهم وذهبوا إلى الميدان وهم يعرفون أن الطريق الذي يسلكونه قد لا يكون طريق عودة. وفي مقدمة هذه الذاكرة يقف اسم عبداللطيف السيد، ذلك الاسم الذي التصق بأبين كما تلتصق الجبال بترابها، وبقي حاضرًا في وجدان الناس حتى بعد أن غاب الجسد.
عبداللطيف السيد لم يكن رجلًا ولد في زمن هادئ حتى يتحدث عن البطولة من خلف المكاتب، ولم تكن أبين بالنسبة إليه صورة معلقة على جدار أو محافظة تُذكر في نشرات الأخبار، بل كانت أرضًا عاش فيها معركة الأمن بكل تفاصيلها، وعرف معنى أن يصبح الإرهاب خطرًا يهدد حياة الناس، ويضرب الطرقات، ويزرع الخوف في القرى والمدن، ويحاول أن يجعل من أبين مساحة للفوضى والدم والخراب. ولذلك حين اختار عبداللطيف طريق المواجهة، لم يختر طريقًا سهلًا، ولم يكن أمامه ميدان مضمون النتائج، بل كان أمامه عدو لا يعرف إلا لغة القتل والتفجير وإرعاب الناس.
ومن هنا جاء حضور عبداللطيف السيد في الذاكرة الجنوبية مختلفًا عن كثير من الأسماء؛ لأن الناس لا تتذكر القائد بعدد المناصب التي حملها، وإنما تتذكره بمقدار حضوره عندما تكون الحاجة إليه أكبر، وبقدر ثباته عندما يصبح التراجع أسهل، وبالطريقة التي يترك بها أثره في الميدان وفي نفوس الرجال الذين عملوا معه. ولهذا التصق به لقب قاهر الإرهاب، لأن الرجل ارتبط اسمه لسنوات طويلة بمواجهة تنظيم القاعدة والتنظيمات الإرهابية في أبين، وظل حاضرًا في واحدة من أكثر المعارك قسوة وإرهاقًا، وهي معركة استعادة الأمن من يد جماعات أرادت أن تجعل الخوف قدرًا دائمًا لأبناء المحافظة.
لقد كان عبداللطيف يعرف أن مواجهة الإرهاب ليست معركة سلاح فقط، وإنما معركة إرادة أيضًا. فالإرهاب يريد أن يقنع الناس بأن لا أحد يستطيع الوقوف في وجهه، وأنه قادر على الوصول إلى أي مكان، وأن الخوف أقوى من الدولة والمجتمع والقانون. ولذلك كان مجرد الوقوف في وجهه فعلًا من أفعال كسر الخوف. وكلما ظهر عبداللطيف في الميدان، كان حضوره يحمل رسالة واضحة بأن أبين لن تكون أرضًا مستباحة، وأن أهلها ليسوا وحدهم في مواجهة من يريد تحويل حياتهم إلى جحيم.
وهذه هي قيمة الرجال الذين يظهرون في اللحظات الصعبة؛ أنهم لا ينتظرون أن تصبح الظروف مثالية حتى يتحركوا، ولا يبحثون عن المعارك السهلة، بل يذهبون إلى المكان الذي يحتاجهم. عبداللطيف السيد كان من هؤلاء، ولهذا بقي اسمه مرتبطًا بالمعركة حتى بعد رحيله، لأن الرجل الذي عاش في قلب المواجهة لا يمكن أن تنتهي حكايته بمجرد سقوطه.
ثلاث سنوات، ومع ذلك ما زالت صورته حاضرة، وما زالت سيرته تتردد كلما ذُكرت أبين، وكلما فُتح الحديث عن الإرهاب الذي عانت منه المحافظة، وكلما استعاد الناس أسماء الرجال الذين وقفوا في وجه التنظيمات المتطرفة. وهذا وحده يكفي ليؤكد أن بعض الرجال لا تنتهي حياتهم عندما يتوقف نبضهم، بل تبدأ بعد رحيلهم مرحلة أخرى من الحضور، حضور الذاكرة وحضور الموقف وحضور السيرة.
لقد أراد الإرهاب أن يسكت عبداللطيف السيد، لكنه لم يستطع إسكات اسمه. أراد أن ينهي وجوده، لكنه لم يستطع إنهاء أثره. فالجسد يمكن أن يغيب، أما السيرة التي أصبحت جزءًا من ذاكرة الناس فلا يستطيع الرصاص ولا التفجير أن يمحوها. ولذلك فإن ذكرى استشهاد عبداللطيف اليوم ليست مجرد مناسبة للبكاء على رجل رحل، وإنما مناسبة للوقوف أمام معنى كبير اسمه التضحية.
في ذلك اليوم، العاشر من أغسطس 2023، استُهدف موكب عبداللطيف السيد في وادي عويمران بمحافظة أبين، وسقط القائد شهيدًا مع عدد من مرافقيه، في لحظة كانت امتدادًا لمسيرة طويلة من المواجهة مع الإرهاب. رحل الرجل الذي عاش سنوات وهو يعرف أن الخطر يلاحقه، وأن الذين يقاتلهم لن ينسوا اسمه، لكنه بقي في الميدان، وبقي يؤدي مهمته، وبقي حاضرًا حيث كان يرى أن وجوده ضرورة.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة عبداللطيف السيد في الذاكرة الجنوبية؛ لم يكن يواجه الإرهاب لأنه يبحث عن لقب أو صورة أو تصفيق، بل لأن المعركة بالنسبة إليه كانت مرتبطة بأرضه وأهله وأمن الناس. قد تختلف القراءات السياسية، وقد تتعدد الآراء حول مراحل كثيرة من تاريخ الجنوب، لكن هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي أن رجالًا وقفوا في وجه الإرهاب، وأن رجالًا دفعوا حياتهم ثمنًا لهذه المواجهة، وأن عبداللطيف السيد كان واحدًا من أبرز الأسماء التي ارتبطت بهذه المعركة في أبين.
يا أبناء الجنوب، إننا حين نتحدث عن عبداللطيف السيد لا نتحدث عن الماضي لكي نبقى أسرى له، وإنما نتحدث عن الماضي لكي نفهم الحاضر. نتحدث عن الرجل لكي نتذكر أن الأمن ليس كلمة عابرة، وأن الاستقرار الذي يبحث عنه المواطن ليس منحة، وأن وراء كل طريق آمن وكل مدينة تنام دون خوف رجالًا دفع بعضهم أعمارهم وأرواحهم ثمنًا لذلك.
ولذلك فإن تخليد عبداللطيف السيد لا يكون فقط برفع صوره في ذكرى استشهاده، ولا بتكرار العبارات المحفوظة، وإنما بأن تبقى سيرته حاضرة في وعي الأجيال، وأن يعرف أبناؤنا من هم الرجال الذين وقفوا في الأيام الصعبة، وأن يعرفوا أن أبين لم تكن يومًا أرضًا سهلة، وأن الإرهاب لم يكن عابرًا فيها، وأن وراء كل صفحة من صفحات مواجهة الإرهاب تضحيات لا يعرف الناس أحيانًا حجمها إلا بعد سنوات.
عبداللطيف السيد كان ابن مرحلة قاسية، لكنه لم يسمح لقسوة المرحلة أن تصنع منه رجلًا مهزومًا. كان يعرف أن الطريق طويل، وأن الإرهاب لا ينتهي بضربة واحدة، وأن المعركة تحتاج إلى صبر وإرادة واستمرارية. ولذلك فإن إرثه الحقيقي ليس فقط في المعارك التي خاضها، وإنما في معنى الثبات الذي تركه خلفه.
إن الجنوب الذي يحيي اليوم ذكرى عبداللطيف السيد لا يحيي رجلًا من فراغ، بل يحيي سيرة ارتبطت بأرض الجنوب وبمعركة الأمن وبمواجهة الإرهاب. يحيي رجلًا عرفته أبين في أيامها الثقيلة، وعرفته الجبهات حين كانت الكلفة مرتفعة، وعرفته لحظات الخطر حين لا يبقى للإنسان إلا موقفه.
ثلاث سنوات يا عبداللطيف، وما زال اسمك حاضرًا. ثلاث سنوات وما زالت أبين تذكرك. ثلاث سنوات وما زالت الذاكرة الجنوبية تستعيد صورتك كلما عادت إلى سنوات المواجهة مع الإرهاب. ثلاث سنوات ولم يستطع الغياب أن يضع حدًا لحضورك، لأن الذين يتركون أثرًا في حياة الناس لا يغيبون بسهولة.
رحلت يا عبداللطيف، لكنك تركت خلفك سؤالًا لا يموت: ماذا يفعل الرجال عندما يصبح الوطن أمام خطر حقيقي؟ وقد أجبت أنت عن هذا السؤال بحياتك قبل كلماتك؛ يتقدمون، يتحملون المسؤولية، يقفون في المكان الذي يحتاجهم، ويعرفون أن الشجاعة ليست أن لا يخاف الإنسان، وإنما أن يعرف الخوف ثم لا يسمح له بأن يمنعه من أداء واجبه.
ولذلك فإن ذكراك اليوم يجب أن تكون ذكرى كرامة لا ذكرى انكسار، وذكرى وفاء لا مجرد حزن. يجب أن يتذكر الناس عبداللطيف السيد باعتباره رجلًا من رجال أبين والجنوب الذين دخلوا معركة مواجهة الإرهاب في زمن كان فيه ثمن الوقوف مرتفعًا جدًا. ويجب أن تبقى أسماء الشهداء حاضرة في الوعي العام، لأن الأمم التي تنسى رجالها الذين دفعوا أثمانًا من أجلها تصبح أمة بلا ذاكرة.
أما عبداللطيف، فقد حجز مكانه في الذاكرة قبل أن يرحل.
وما بين أبين التي عرفها، والجنوب الذي أحبّه، والميدان الذي ظل حاضرًا فيه، ستبقى حكايته جزءًا من حكاية جيل كامل عاش سنوات الإرهاب والفوضى والمواجهة، جيل لم يختر ظروفه، لكنه وجد نفسه مضطرًا لأن يقف في وجهها.
في ذكرى استشهاد قاهر الإرهاب عبداللطيف السيد، لا نملك إلا أن نقول إن الموت أخذ الجسد ولم يأخذ الاسم، وأخذ الحياة ولم يأخذ السيرة، وأغلق صفحة من عمر الرجل لكنه لم يغلق الصفحة التي كتبها في ذاكرة الناس. سيبقى عبداللطيف حاضرًا كلما ذُكرت أبين، وكلما ذُكر رجالها، وكلما استعيدت معركة الجنوب ضد الإرهاب، وسيبقى اسمه شاهدًا على مرحلة دفع فيها رجال كثيرون أثمانًا باهظة من أجل أن تبقى الأرض لأهلها، وأن يبقى للناس حقهم في الأمن والحياة.
رحم الله عبداللطيف السيد ورفاقه، ورحم كل شهيد سقط في مواجهة الإرهاب، وحفظ أبين وأهلها، وحفظ الجنوب وأهله، وجعل دماء الشهداء أمانة في أعناق الأحياء، لا وقودًا لدورات جديدة من الدم، وجعل ذكراهم طريقًا إلى الأمن والاستقرار والكرامة.
ثلاث سنوات على رحيلك يا عبداللطيف، وما زالت الحكاية تقول إن الرجال قد يغادرون بأجسادهم، لكنهم حين يتركون خلفهم موقفًا وسيرة وأثرًا، فإنهم لا يغادرون ذاكرة الناس.
رحمك الله يا قاهر الإرهاب.
غاب عبداللطيف السيد، وبقي عبداللطيف السيد.
غاب الجسد، وبقي الاسم.
غاب القائد، وبقي الأثر.
وستبقى أبين تعرف رجالها، وسيبقى الجنوب يتذكر من وقفوا في الأيام التي كان الوقوف فيها بطولة، ومن حملوا عن الناس ثقل الخوف، ومن رحلوا وتركوا خلفهم ذاكرة لا تستطيع السنوات أن تطفئها.