#فاطمة_اليزيدي تكتب: الجنوب العربي بين ذاكرة التاريخ وإرادة المستقبل .. مشروعٌ لا يُختزل، وهويةٌ لا تُساوَم

فاطمة اليزيدي
في امتداد كرونولوجي طويل من روزنامة الأحداث والتحولات، ظل الجنوب العربي حاضرًا كقضية تتجاوز حدود اللحظة العابرة، وتتخطى حسابات المساومات السياسية الضيقة. فالقضايا الكبرى لا تُصنع في دهاليز الطاولات المغلقة، ولا تُختصر في بيانات مؤقتة، بل تتشكل من وعي الشعوب، ومن تراكم الذاكرة الجمعية، ومن إرادة لا تنكسر أمام تقلبات الزمن.
إن قضية الجنوب العربي الفيدرالي ليست مجرد ملف سياسي يُفتح ويُغلق وفق مزاج القوى المتصارعة، بل هي مشروع سياسي وجودي متجذر في وجدان شعب يرى أن هويته ومساره التاريخي جزء من منظومة أكبر من الحسابات التكتيكية. فالشعوب قد تُرهق، وقد تمر بمراحل صعبة، لكنها لا تُمحى بالقوة، ولا يمكن فرض القناعات عليها عبر أدوات الإكراه أو محاولات إعادة تشكيل الوعي الجمعي.
إن من يقرأ المشهد الجنوبي قراءة سطحية يقع في فخ ضحالة اللحظة، لأن التاريخ لا يُقاس بضجيج المرحلة، ولا بالصراخ المنبريّ، بل يُقاس بقدرة المشاريع على الصمود أمام الاختبارات الكبرى. فهناك فرق بين مشروع يمتلك جذورًا اجتماعية وسياسية، وبين محاولات عابرة تقوم على محاكاة التأسيس دون امتلاك مقوماته الحقيقية.
الجنوب العربي ليس حالة طارئة في معادلة سياسية، بل هو صيرورة مشروع تتحرك حلزونيًا عبر مراحل التاريخ، حيث تتفاعل الهوية مع السياسة، والذاكرة مع المستقبل. ومن منظور ديالكتيكي، فإن الصراع السياسي ليس مجرد مواجهة بين أطراف، بل هو حركة مستمرة بين الأفكار والمصالح والواقع، حيث يبقى المشروع الأكثر اتصالًا بإرادة المجتمع هو القادر على الاستمرار.
إن محاولة اختزال قضية الجنوب في بند تفاوضي أو ورقة ضغط سياسية تكشف عن قراءة قاصرة لطبيعة التحولات الاجتماعية. فالوطن ليس رقمًا في ميزان المساومات، والهوية ليست مادة قابلة للمقايضة. ومن يحاول بناء مستقبل سياسي بعيدًا عن إرادة شعب الجنوب إنما يؤسس لمعادلة ناقصة، لأن أي عملية سياسية لا تستند إلى قبول أصحاب القضية ستبقى فاقدة للشرعية الشعبية.
لقد أثبتت التجارب التاريخية أن استبداد الأنوية السياسية، حين يحاول فرض رؤيته الخاصة على المجتمعات، يتحول إلى سجنًا أنطولوجيًا يمنع رؤية الواقع كما هو. فالمشكلة ليست في اختلاف الرؤى، بل في محاولة إلغاء وجود الآخرين واحتكار تعريف المستقبل.
إن الجنوب العربي يحمل جينات الصمود، لا بمعنى الشعارات، بل بمعنى القدرة على الحفاظ على الثوابت الوطنية عبر أجيال متعاقبة. فالأوطان لا تُبنى فقط بالقوة المادية، وإنما بالوعي، وبالإيمان بالقضية، وبوفاء الرجال الذين يجعلون الوطن معيارًا للمكانة وليس المصالح العابرة.
وفي عالم تتصارع فيه الإبستيميات السياسية، وتتنازع فيه المشاريع بين الحقيقة والوهم، يصبح المطلوب هو قراءة الواقع بعيدًا عن السراب الإبستيمولوجي الذي تصنعه الدعاية المؤقتة. فالمعيار الحقيقي ليس ارتفاع الأصوات، بل عمق الفكرة، وليس كثرة الخطابات، بل قدرة المشروع على إنتاج مستقبل قابل للحياة.
إن الجنوب العربي ليس أيديولوجيا انتحارية تبحث عن الصدام لمجرد الصدام، بل هو مشروع يرى أن الاستقرار الحقيقي لا يأتي من تجاهل قضايا الشعوب، وإنما من الاعتراف بإرادتها واحترام خياراتها. فالتاريخ لا يحكمه الضجيج، بل تحكمه سيرورة التقدم، وحركة المجتمعات نحو تحقيق تطلعاتها.
وفي النهاية، فإن الوجوه قد تتغير، والمراحل قد تتبدل، لكن الأوطان تبقى بثوابتها. والرجال الحقيقيون لا تُقاس مكانتهم بكثرة الظهور، ولا بقوة المنابر، بل بمقدار وفائهم لقضايا شعوبهم وقدرتهم على حمل المسؤولية الوطنية.
الجنوب العربي قضية شعب، وذاكرة وطن، وحتمية موقف سياسي لا يمكن تجاوزها. ومن يظن أن إرادة الشعوب يمكن دفنها تحت ركام المصالح المؤقتة، فإنه يخطئ قراءة التاريخ. فالشعوب قد تصمت حينًا، لكنها لا تنسى، وقد تنتظر، لكنها لا تتنازل عن حقها في صياغة مستقبلها.
ويبقى الجنوب مشروعًا سياسيًا متجذرًا، وواقعًا لا تصنعه الأمنيات، بل تصنعه الإرادة، ويبقى ميزان التاريخ هو القاضي الديالكتيكي الذي يكشف زيف المشاريع الهشة، ويمنح البقاء للأفكار التي تمتلك جذورًا في وجدان أصحابها.