#د/ميثاق_الشعيبي:صناعة الوعي وذاكرة الميادين كركائز للفعل الوطني وتحصين الهوية ،،

#د/ميثاق_الشعيبي:صناعة الوعي وذاكرة الميادين كركائز للفعل الوطني وتحصين الهوية ،،
بقلم أ.د. ميثاق باعبّاد الشعيبي
إن اللحظات التاريخية المفصلية التي تعيشها الأوطان تفرض تلازماً بنيوياً حتمياً بين رصاصة الميدان وثقافة الوعي؛ فلا يمكن لانتصار عسكري أن يستدام ما لم يحصنه وعي فكري رصين، ولا يمكن للأفكار التنويرية أن تثمر ما لم تعمدها تضحيات المخلصين في جبهات الشرف والمواجهة ..
وفي قلب هذه التحولات تبرز فلسفة الصيرورة التاريخية وسقوط الظواهر الصوتية كحقيقة ثابتة، حيث إن صناعة التاريخ وتخليده لا تقوم على خطابات المنابر الجوفاء، ولا تُصاغ أمجاده ببيانات التهريج السياسي والتضلّيل، بل تعتمد كلياً على الأفعال الملموسة في الميادين والتضحيات الجسيمة المعمدة بحبر الدماء. فالتاريخ كان وسيبقى الوعاء الحافظ للحقائق، والمنصف الوحيد لكل فعل وطني جاد يسعى لتمكين الشعوب من حقها في العيش بحرية وكرامة، بعيداً عن الشعارات والبطولات المزيفة للباحثين عن الشهرة والأضواء والنجومية الافتراضية على حساب معاناة وقضايا الأوطان؛ إذ ستبقى تلك الظواهر الصوتية المتطفلة مجرد طفرة عابرة وهامشية لا قيمة لها في سجلات المجد، في حين يوثق التاريخ المواقف الوطنية المخلصة والصادقة التي تستمد شرعيتها وتعميدها من الوفاء الصادق للجماهير والالتصاق العضوي بقضاياهم ..
ويتكامل هذا المخاض الميداني مع التحصين الاستراتيجي ومعركة الوعي الفكري، إذ لم تعد الحروب الحديثة تقتصر على مواجهات السلاح في خطوط التماس فحسب، بل أصبحت معارك الوعي وإدارة العقول هي الميدان الأكثر خطورة، فالشعوب التي تمتلك وعياً تاريخياً وسياسياً راسخاً هي الوحيدة القادرة على غربلة الادعاءات وفحص الحقائق، والتمييز بين أصحاب المشاريع الحقيقية والأجندات العابرة، ومن هنا يصبح تحصين الجبهة الفكرية للمجتمع ركيزة أساسية للدفاع عن الهوية وسيادة القرار. ومن هذا المنظور، تكمن القيمة الحقيقية للثقافة والنظرية السياسية في قدرتها على التحول إلى برامج عمل ملموسة تخدم تطلعات الجماهير وتصون كرامتهم؛ فالأفكار التي تظل حبيسة التنظير لا تبني أوطاناً، والمشاريع الوطنية الكبرى تحتاج دائماً إلى عقول واعية تقودها، وسواعد مخلصة تحميها في الميدان، ليتكامل البناء المعرفي مع الفعل النضالي الصادق في صياغة مستقبل آمن ومستقر ..
وتتويجاً لهذا البناء تتحدد مسؤولية النخب والمقاربة الاستراتيجية للجنوب، حيث تقع على عاتق النخب الثقافية والسياسية المخلصة مسؤولية تاريخية في قيادة الرأي العام، وتوجيه بوصلة المجتمع نحو الأولويات الاستراتيجية العليا، وتفنيد الشائعات ومحاولات التضليل التي يمارسها الأعداء؛ فحماية الذاكرة الجمعية من التشويه هو الضمانة الحقيقية لعدم تكرار أخطاء الماضي، وهو الجسر الذي تعبر عليه الأجيال نحو تحقيق تطلعاتها المشروعة في الحرية والاستقلال. ومن هذا المنطلق المفصلي، تبرز حماية حدود الجنوب والدفاع عن مصالحه العليا كأولوية جيوسياسية ووطنية مطلقة لا تقبل المساومة أو المهادنة؛ وهي غاية تتطلب اليوم توحيد الصفوف، وتنظيم الجهود، وحقن دماء أبناء الوطن لقطع الطريق أمام مكائد الأعداء ومخططاتهم التفكيكية، فالتاريخ ذاكرة حية لا تصاب بالنسيان، وهو ينحاز دوماً وبثبات بنيوي لمن تتطابق أقوالهم مع أفعالهم على الأرض ..
ختاماً، إنها معركة الوعي والوجود التي يرتكز فيها الرهان الحقيقي لمستقبل الجنوب على تلازم وعي العقول وبسالة الميادين؛ فبينما يسقط التاريخ الظواهر الصوتية الزائفة في مصفاته العادلة، يُخلّد في طياته تضحيات المخلصين وأصحاب المبادئ الوطنية الثابتين على الأرض، لتظل حماية الوطن وتحصين هويته أمانةً يحرسها الأوفياء الذين تتطابق أقوالهم مع أفعالهم …..