اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

أربعون عاما في مهنة المتاعب.. رحلة شاقة في بلاط صاحبة الجلالة لم تكسرها التهديدات ولم تُغرها المكاسب

النعماني ابو شامل

 

منذ أن وطئت قدماي بلاط صاحبة الجلالة في نوفمبر 1985م حين نُشر لي أول مقال في صحيفة 14 أكتوبر كنت أدرك أن الصحافة ليست مهنة للباحثين عن الثراء ولا طريقا للمناصب والمكاسب بل رسالة نبيلة ومسؤولية ثقيلة وموقف يتطلب الشجاعة والصبر والثبات.

أكثر من أربعين عاما مضت ونا أحمل القلم مؤمنا بأن الكلمة أمانة وأن الحقيقة تستحق أن تُقال مهما كانت التبعات.
خلال هذه الرحلة الطويلة واجهت الكثير من الصعوبات والضغوط والمضايقات والتهديدات حتى اليوم لأن أصحاب المصالح لا يحبون من يكشف الحقائق ولا يرتاحون لمن يتمسك بموقفه أو يرفض المساومة على قناعاته.

أربعون عاماً في مهنة المتاعب لم أجمع خلالها ثروة ولم أمتلك منزلا بل ولم أحصل على قطعة أرض مثل أي مواطن كحق في تحقيق الاستقرار في حياته برغم علاقاتي ولقاءاتي مع اكبر المسئولين في البلد فلم أتخذ من الصحافة وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية ولم أجعل من القلم جسراً للوصول إلى المكاسب ربما يرى البعض في ذلك خسارة لكنني أراه أعظم انتصار حققته في حياتي فقد كسبت ما هو أثمن من المال والمناصب
كسبت محبة الناس واحترام البسطاء وثقة من عرفوني عن قرب.
كسبت دعوات المظلومين الذين وقفت إلى جانبهم عندما ضاقت بهم السبل وساندت قضاياهم حينما اختار آخرون الصمت أو الابتعاد.

.كسبت راحة الضمير وهي ثروة لا تُشترى ووسام لا تمنحه جهة ولا يستطيع أحد انتزاعه.

عندما أستعيد سنوات البدايات يزداد يقيني بأننا عشنا زمنا جميلاً كانت فيه الصحافة مدرسة حقيقية ومؤسسة تصنع الوعي وتحترم القارئ.
اتذكر اننا في صحيفة 14 أكتوبر والأيام والثورة والرياضة وصوت العمال حينما كانت الأخبار والمقالات تمر عبر قنوات مهنية دقيقة قبل نشرها كانت هيئة التحرير الحارس الأمين للمهنة وكانت الكلمة تُراجع والخبر يُدقق قبل أن يصل إلى القارئ وكان لكل مؤسسة هيبتها ولكل صحفي مكانته التي يصنعها بالمعرفة والاجتهاد والانضباط والالتزام.

أما اليوم فقد تغير المشهد كثيراً فقد أصبح البعض يعتقد أن كتابة بضعة أسطر أو الظهور لدقائق في مقطع مصور على مواقع التواصل الاجتماعي كاف ليمنحه صفة إعلامي أو صحفي بينما المهنة أكبر وأعمق من ذلك بكثير.
فالصحافة ليست لقبا يُمنح ولا بطاقة تُحمل بل ثقافة واسعة وخبرة متراكمة ومسئولية أخلاقية ومهنية ومواقف تُختبر في الميدان لا خلف الشاشات.

حقيقة أعترف أنني خلال هذه السنوات الطويلة خسرت الكثير من العلاقات وابتعد عني بعض الأصدقاء لأنني اخترت أن أقول ما أراه حقيقة لا ما يرغب الآخرون في سماعه فالحقيقة قد تكون مؤلمة والكلمة الصادقة لا تجلب التصفيق دائماً لكنها تكسب احترام التاريخ وتمنح صاحبها راحة الضمير.

ورغم كل ما واجهته وما زلت أواجهه من تهديدات ومحاولات للإسكات أو التشويه فإنني لم أندم يوماً على هذا الطريق.
لم أبع قلمي ولم أساوم على مبادئي ولم أغير مواقفي من أجل منفعة أو خوف وما زلت أؤمن أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك من مال أو منصب بل بما يتركه من أثر وبما يدافع عنه من مبادئ وبما يحظى به من محبة صادقة في قلوب الناس.

والان وبعد أكثر من أربعة عقود في بلاط صاحبة الجلالة أستطيع أن أقول بكل قناعة إنني لم أحصد من هذه المهنة شيئا من مغريات الحياة بل ومن ابسط الحقوق لكنني حصدت أعظم مكسب يمكن أن يناله الإنسان وهو احترام الناس ومحبتهم ودعوات المظلومين وإيماناً راسخاً بأن الكلمة الحرة قد تُتعب صاحبها لكنها لا تهزمه أبداً

*واللهم ثبتنا على الحق حتى نلقاك وانت راض عنا يارب العالمين*

النعماني ابو شامل

زر الذهاب إلى الأعلى