اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

معارك العجز والانتصارات الوهمية

العميد/رياض درويش

عندما تعجز السلطات عن القيام بواجباتها الأساسية تجاه المواطن، تبحث عن معارك جانبية تصنع منها انتصارات وهمية.
فبدلاً من أن تنشغل بإعادة الكهرباء، وتحسين الخدمات، وصرف المرتبات، وضبط الأمن، ومحاربة الفساد، وحماية كرامة الناس، نجدها تسخر جهودها لملاحقة المطابع، وتهديد أصحابها، وأخذ التعهدات منهم، والتوعد بالعقوبات لكل من يخالف أوامراً لا علاقة لها بمصالح المواطنين.

أيُّ سلطةٍ هذه التي ترى في صورةٍ خطراً، وفي رايةٍ جريمة، وفي لافتةٍ تهديداً، بينما تعجز عن مواجهة الانهيار الذي يعيشه المواطن كل يوم؟
لقد أصبح المشهد يدعو إلى الاستغراب…
يُمنع طباعة صور الرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي.
ويُمنع طباعة بنرات المجلس الانتقالي.
ويُمنع تفصيل علم الجنوب.
ويُمارس الضغط على أصحاب القاعات لعدم تأجيرها.
ويُمارس الضغط على أصحاب شركات الصوتيات حتى لا يتعاملوا مع المجلس الانتقالي أو فعالياته.

وكأن المشكلة الحقيقية في عدن ليست انهيار الخدمات، ولا تدهور الاقتصاد، ولا معاناة الناس… بل في صورةٍ تُطبع، أو علمٍ يُرفع، أو قاعةٍ تُستأجر.
إن هذه الإجراءات لا تعكس قوة الدولة، بل تعكس خوفاً من الرأي الآخر، لأن الدولة الواثقة من نفسها لا تخشى صورة، ولا ترتبك من علم، ولا تقلق من نشاط سياسي سلمي.
وإذا كان الاعتقاد أن التضييق على الحريات سيؤدي إلى إسكات الناس، فإن التاريخ أثبت أن الأفكار لا تُصادر، والانتماءات لا تُمحى بقرار، والإرادة الشعبية لا تُكسر بالملاحقات والتهديدات.
لقد آن الأوان لأن تعود الأولويات إلى مكانها الصحيح.
فالمواطن ينتظر الكهرباء، لا ملاحقة المطابع.
وينتظر الماء، لا مطاردة الأعلام.
وينتظر الأمن والاستقرار، لا التضييق على النشاط السياسي.
وينتظر دولة تحمي حقوقه، لا سلطة تنشغل بمراقبة آرائه.
إن الاختلاف السياسي لا يُواجه بالمنع، ولا تُدار الأوطان بإغلاق الأبواب أمام الخصوم، بل بالحوار، والاحتكام إلى القانون، واحترام حق الجميع في التعبير السلمي عن آرائهم ومواقفهم.

وليعلم الجميع أن التاريخ لا يتذكر من صادر الكلمة، بل يتذكر من دافع عنها. ولا يخلّد من ضيّق على الحريات، بل يخلّد من صانها.
فالأعلام تُصادر، لكنها تعود لترتفع.
واللافتات تُمنع، لكن الرسائل تبقى.
والصور تُحجب، لكن القناعات لا تُحجب.
أما الشعوب… فلا يمكن أن تُهزم بإجراءات إدارية أو قرارات ارتجالية، لأنها حين تؤمن بقضية، تجعل من كل محاولة لإسكاتها سبباً جديداً للتمسك بها.
إن قوة أي سلطة تُقاس بما تقدمه لشعبها من أمن وعدالة وخدمات، لا بعدد المطابع التي أغلقتها، ولا بعدد الأعلام التي منعتها، ولا بعدد القاعات التي أوقفت نشاطها. فالأوطان تُبنى بالثقة بين الحاكم والمحكوم، لا بالخوف، ولا بالتضييق، ولا بمصادرة الرأي.
قد تستطيع أي سلطة أن تمنع صورة، أو تصادر لافتة، أو تغلق قاعة، أو تضيق على نشاط سياسي، لكنها لن تستطيع أن تنتزع فكرةً استقرت في وجدان الناس، ولا أن تلغي هويةً آمن بها أصحابها، ولا أن تُخضع إرادةً صنعتها التضحيات.

فالقضايا العادلة لا يحميها الحبر والورق، بل يحميها إيمان أصحابها بها. والتاريخ شاهدٌ أن كل محاولات تكميم الأفواه ومصادرة الحريات لم تُنتج استقرارًا، بل زادت الشعوب تمسكًا بمواقفها.
والحكمة تقتضي أن تُوجَّه جهود السلطات نحو خدمة المواطن، وتحسين معيشته، وترسيخ سيادة القانون، واحترام الحقوق والحريات، فذلك هو الطريق الذي تبنى به الأوطان، وتصان به كرامة الإنسان.
ويبقى السؤال الذي ينتظر المواطن إجابته: هل أصبحت الراية أخطر من الفساد؟ وهل أصبحت الصورة أخطر من انهيار الخدمات؟
أسأل الله أن يحفظ عدن وأهلها، وأن يوفق الجميع إلى ما فيه خير البلاد والعباد.

زر الذهاب إلى الأعلى