اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

#من وديان الفقر إلى معركة الأمراض..لماذا مرضت عندما تحسنت المعيشة؟

عبدالله شايع

قد يظن كثيرون أن تحسن مستوى المعيشة يعني بالضرورة تحسن الصحة، لكن تجربتي الشخصية تروي قصة مختلفة تمامًا، بدأت في أعماق الأودية وانتهت بقناعة راسخة بأن نمط الحياة قد يكون أهم من وفرة الطعام.

عاش والدي، محمد الحاج شايع، خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي في أودية نائية خالية من السكان، مثل وادي جريئة والعسود وحال حميد،واذ كان يملك قطعة أرض صغيرة، ونحو عشرين رأسًا من الأغنام، وبقرة وثورًا، وكانت الزراعة وتربية المواشي مصدر رزق الأسرة الوحيد.

كنا أربعة إخوة نعمل مع والدنا منذ الصغر؛ نحرث الأرض، ونرعى الأغنام، ونعيش حياة بسيطة مليئة بالكفاح. ورغم قسوة الظروف، لم نكن نعرف الأمراض ولا الأدوية.

رحم الله والدي، فقد عاش قرابة تسعين عامًا. ورغم معاناته من اضطراب نفسي بسبب ظروف اجتماعية وأسرية، حتى إن بعض الناس كانوا يصفونه بما ليس فيه،وبذلك ظل إنسانًا مجتهدًا، محبًا لأبنائه، يعمل بيديه ويكافح من أجل لقمة العيش. وما زلت أذكر كيف كان يحملني على ظهره، رغم تخوف البعض عليّ، لكنه لم يؤذني يومًا، بل كان أبًا حنونًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

كان غذاؤنا بسيطًا للغاية؛ نعتمد على الدخن والبر والحبوب المحلية، والحليب والسمن، والتين والسِّقم، بينما كانت الخضروات والفواكه واللحوم نادرة طوال العام. ومع ذلك، كنا نتمتع بصحة جيدة ونشاط كبير.

في الثمانينيات انتقلت إلى عدن، وكان عمري ستة عشر عامًا، ثم التحقت بالمعهد الصحي في لحج. وبعد التخرج عملت في مناطق ريفية عدة، منها يافع الحد وبني بكر والشعيب والضالع. وكانت تلك المناطق تفتقر أيضًا إلى كثير من مقومات التغذية الحديثة، لكننا بقينا أصحاء ،ولم تكن الأمراض المزمنة معروفة بيننا.

لاحقًا استقريت في منطقة عدن حمادة، وعشت فيها قرابة عشرين عامًا. كان راتبي ألف شلن، وكانت الحياة بسيطة، والطعام محدودًا، فأتناول الدجاج مرة واحدة في الأسبوع، والخضروات نادرة، واللحوم لا نكاد نراها إلا في المناسبات والأعياد. ومع ذلك، كنت أعمل ليلًا ونهارًا بكامل النشاط ولم أعانِ من أمراض مزمنة.

لكن المفارقة بدأت عندما انتقلت إلى مدينة الضالع وتحسنت ظروفي المعيشية. أصبح الطعام متوفرًا، وكثرت الخضروات والفواكه، واعتمدت على الدقيق الأبيض والأطعمة الحديثة والمياه المعقمة. وبعد سنوات قليلة بدأت رحلة المرض؛ حصى في الكلى، وارتفاع الكوليسترول، وارتفاع ضغط الدم، والتهاب البروستاتا، والتهاب المثانة، وارتفاع الكرياتينين حتى وصل إلى (2)، وأصبحت وظائف الكلى مهددة

حينها بدأت أراجع نمط حياتي وغذائي، مستفيدًا من خبرتي الصحية، فقررت تغيير نظامي الغذائي بالكامل.

امتنعت عن الدقيق الأبيض، والأطعمة المصنعة، والمعلبات، والحلويات، والبسكويت، والشوكولاتة، والحليب ومشتقاته، وحرصت على تناول الحبوب الكاملة، والأرز، والبطاطس، والتمر، مع الرمان والتين أحيانًا، وأصبحت أقتدي بما ورد من الأطعمة في السنة النبوية، وأبتعد عما أرى أنه يضر صحتي.

واليوم، أحمد الله أنني أعيش حياة مستقرة، وقد تحسنت حالتي الصحية بصورة كبيرة، ولم أعد أستخدم الأدوية، بعد أن التزمت بنظام غذائي أراه مناسبًا لي.

هذه ليست دعوة لأن يترك الناس علاجهم أو يتبعوا نظامًا غذائيًا واحدًا، فلكل إنسان حالته الصحية التي تحتاج إلى تقييم طبي،

لكنها تجربة شخصية تؤكد أن الغذاء ونمط الحياة قد يكون لهما أثر كبير في صحة الإنسان، وأن البساطة في المعيشة قد تحمل أحيانًا منافع لا ندرك قيمتها إلا بعد سنوات.

زر الذهاب إلى الأعلى