اجتياح قوى الشمال اليمني للجنوب العربي أغرق البلاد في النهب والظلم والإقصاء

كتب / عبدالله باحاج
لم تكن حرب صيف 1994 فصلًا عابرًا في كتاب الصراع على السلطة، بل كانت نقطة انكسار كبرى في مسار الجنوب العربي. يومها دخلت قوى الشمال بعقلية الفاتح لا الشريك، بعقلية من جاء ليضم لا ليؤس. رفعت شعارات الوحدة عاليًا، بينما كانت أيديها ترسم خرائط الضم والإلحاق بصمت. فاستُبدل حلم الدولة بمشروع الغنيمة، واستُبدل القانون بمنطق البندقية.
اجتاحوا المدن فخلعوا عنها إدارتها، واجتاحوا المؤسسات فأفرغوها من مضمونها، واجتاحوا الذاكرة فحاولوا طمس معالمها. لم يكن الخلاف على موارد أو مناصب، بل كان مخططًا واضحًا لسحق خصوصية الجنوب وتذويب هويته في معادلة لا مكان فيها إلا للتابع الصامت والمُقصى المذلول. تحولت الوظيفة إلى وسام ولاء، والترقية إلى مكافأة تبعية، والكلمة الحرة إلى جريمة يُعاقب عليها.
أغرقوا الأرض في النهب حتى صار المال العام ملكًا خاصًا يُقسّم في الغرف المغلقة، والموانئ والمصافي والحقول تُباع بعقود لا يفهم لغتها إلا أصحاب النفوذ. وأغرقوها في الظلم حتى أصبح أبناء الجنوب غرباء في بيوتهم، يُسألون عن انتمائهم قبل شهاداتهم، ويُستبعدون من القرار قبل أن تُسمع أصواتهم. وأغرقوها في الإقصاء حتى صارت كلمة “شراكة” مجرد لافتة تُعلق في المناسبات ثم تُنزع مع زوال التصفيق.
هكذا وُلدت دولة هشة على أنقاض وطن، ومجتمع ممزق على أنقاض ثقة. لأن من يصادر حق شعب في أرضه لا يبني وطنًا، بل يزرع قنبلة مؤجلة. ومن يتعامل مع الجنوب كغنيمة لا كشريك، لا يجني إلا الرفض والنفور.
اليوم يتحدث الجنوب من ذاكرة لم تنسَ، ومن تجربة أثبتت أن الوحدة التي تُفرض بالدبابة لا تعمر، وأن الحق الذي يُدفن بالقوة يعود من القبر أقوى. لا يطلب الجنوب عطفًا ولا منّة. يطلب حقه البسيط في تقرير مصيره، وفي أن تُصان كرامته، وفي أن يُكتب مستقبله بقلم أبنائه لا بقلم من اجتاحوه.
الشعوب لا تفنى، والتاريخ لا يُشترى. وما أُخذ بالقوة سيظل يبحث عن طريق للعودة، لأن إرادة الشعوب أقوى من كل مدفع، وأبقى من كل مشروع إقصاء.