اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

سيقلي: الابتزاز الصحفي لا يغتال السمعة فقط.. بل يغتال ثقة المجتمع في المهنة

النقابي الجنوبي/خاص

شنّ الكاتب الصحفي علي سيقلي هجومًا حادًا على من وصفهم بـ”المحسوبين على الصحافة” الذين يحوّلون المهنة إلى أداة للابتزاز واغتيال السمعة، مؤكدًا أن رفع شعار مكافحة الفساد لا يمنح أحدًا صكًا أخلاقيًا يبيح له انتهاك حرمات الناس.

وقال سيقلي في مقالته التي حملت عنوان “اغتيال السمعة… باسم الابتزاز الصحفي”، إن “ليست كل إساءة تُنشر على الملأ صحافة، وليست كل فضيحة تُروى للرأي العام انتصارًا للحقيقة”، مشددًا على أن “الصحافة، في جوهرها، مهنة تبحث عن الحقيقة، بينما الابتزاز يبحث عن الضحية”، ومستدركًا بأن “الصحافة تُقيم الدليل، أما الابتزاز فيكتفي بالإيحاء، والصحافة تمنح المتهم حق الرد، أما المبتز فلا يعنيه سوى أن يظل الاتهام معلقًا في أذهان الناس، حتى وإن سقط أمام القضاء أو الحقيقة”.

وأرجع الكاتب أسباب تفشي هذه الظاهرة إلى استغلال بعض المنتحلين لسذاجة الجمهور، قائلًا: “المؤسف أن بعض المحسوبين على الصحافة أدركوا مبكرًا أن الشهرة سلطة، وأن الجمهور يمنح ثقته بسهولة لمن يتقن الخطابة ويجيد صناعة البطولة الوهمية. فاستغلوا تلك المساحة، لا لخدمة المجتمع، بل لبناء نفوذ شخصي، وتحويل القلم إلى وسيلة ضغط، والكلمة إلى ورقة مساومة”. وأضاف أن هؤلاء “يتحدثون كثيرًا عن المبادئ، ويبالغون في رسم صورة المثالية لأنفسهم، حتى يخيل للمتابع أنهم أوصياء على الأخلاق العامة، بينما تكشف المواقف أن تلك المثالية ليست سوى قناع يرتدونه حين تخدمهم، ويخلعونه متى تعارضت مع مصالحهم”.

وحذّر سيقلي من خطورة استغلال ثقة الجمهور، مؤكدًا أن “حين يعتاد الناس تصديق كل ما يُنشر دون تمحيص، يصبح من السهل توجيه الرأي العام، وصناعة خصوم، وتشويه شخصيات، وإصدار أحكام لا تستند إلى وثيقة ولا إلى تحقيق مهني، وإنما إلى سردية أحادية صاخبة، هدفها التأثير لا الحقيقة”، واصفًا اغتيال السمعة بأنه “تجارة رائجة عند من يخلطون بين النقد والتشهير، وبين حرية التعبير وحرية الإساءة، فهم لا يناقشون الفكرة، بل يطاردون صاحبها، ولا يواجهون الخطأ، بل يستهدفون صاحبه، في ممارسة لا تختلف في جوهرها عن الاغتيال المعنوي”.

وكشف الكاتب عن أخطر الأساليب المستخدمة في هذا الممارسات، قائلًا: “ومن أكثر الأساليب خطورة أن تُشن الحروب على الشرفاء تحت لافتة ‘الاستشراف’ أو ‘كشف ما وراء الكواليس’. فيتحول الظن إلى حقيقة، والإشاعة إلى خبر، والتوقع إلى إدانة، بينما يغيب الدليل وتحضر الإثارة. وهنا لا يعود الهدف خدمة الرأي العام، بل صناعة الضجيج، لأن الضجيج يحقق شهرة، والشهرة تفتح أبواب النفوذ”.

وأكد سيقلي أن “النقد قيمة نبيلة حين يكون منصفًا، لكنه يفقد قيمته عندما يصبح انتقائيًا، أو يُستخدم لإخضاع الآخرين، أو لتحقيق مصالح خاصة. فالقلم الذي يُباع مرة، لن يستعيد هيبته بسهولة، والمنبر الذي يتحول إلى أداة ابتزاز يفقد رسالته، مهما تزين بالشعارات”.

ولم يغفل الكاتب عن الأثر المدمر لهذه الممارسات على المهنة بأكملها، محذرًا من أن “أخطر ما يفعله الابتزاز الصحفي أنه لا يقتل الأشخاص وحدهم، بل يقتل ثقة المجتمع في الصحافة نفسها. فعندما يعجز الناس عن التمييز بين الصحفي المهني والمبتز، تصبح المهنة كلها موضع شك، ويدفع الشرفاء ثمن ممارسات لا علاقة لهم بها”.

وفي ختام مقاله، وضع سيقلي حلًا جذريًا لهذه الآفة، مشيرًا إلى أن “الدفاع عن الصحافة يبدأ من فضح من يسيئون إليها، لا من التستر عليهم. فالمهنة لا يحميها الصمت، وإنما يحميها الالتزام بأخلاقياتها، واحترام الحقيقة، وصيانة كرامة الإنسان، والاحتكام إلى الدليل بدلًا من التشهير”، واختتم بتأكيد أن “السمعة ليست ساحة للعبث، والقلم ليس سلاحًا للإكراه، والحرية لم تُخلق لتكون غطاءً للابتزاز. ومن يجعل من الصحافة وسيلة لاغتيال الناس، لا يسيء إلى ضحاياه فحسب، بل يرتكب جريمة أخرى في حق مهنةٍ كانت، وستظل، واحدةً من أنبل المهن حين تُمارس بشرف”.

زر الذهاب إلى الأعلى