اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

صنعاء ليست الحوثي.. لكن لماذا يتجاهل بن لزرق من صادر الجنوب قبلهم؟

النقابي الجنوبي/بقلم المحرر السياسي

لم يكن منشور فتحي بن لزرق الأخير عن صنعاء مجرد عاطفة عابرة كما بدا للبعض.
بل كان خطابًا سياسيًا واضح الملامح، يحاول إعادة تقديم العاصمة كـ“بيت جامع” فوق كل الصراعات، عبر فصلها عن جماعة الحوثي، وتقديمها كرمز يتجاوز الحرب والانقسام.

قال بن لزرق إن “صنعاء ليست عبدالملك وجماعته”.
جملة تبدو بديهية في ظاهرها، لكنها تفتح بابًا أوسع بكثير من الحوثيين أنفسهم.

لأن السؤال الذي لا يمكن تجاهله هنا هو:

هل بدأت أزمة الجنوب مع الحوثي فعلًا… أم قبل ذلك بسنوات طويلة؟

الحوثي لم يظهر في فراغ.
دخل إلى مشهد كانت فيه بنية مركزية في صنعاء قد تشكّلت منذ عقود، وراكمت إرثًا ثقيلًا من الحروب وإعادة تعريف العلاقة مع الجنوب، منذ حرب 1994 وما تلاها من سياسات الإقصاء وإعادة الهيكلة بالقوة.

هنا تبدأ المفارقة التي يتجاهلها خطاب بن لزرق:
هو يفصل الحوثي عن صنعاء،
لكنه لا يفصل بين الجنوب وتاريخ مركز حكمٍ كامل تغيّرت أسماؤه وبقيت بنيته واحدة.

بن لزرق يقول “صنعاء حضن اليمنيين وبيتهم الكبير”.
لكن الجنوبيين يتذكرون أن هذا “البيت” لم يكن دائمًا مفتوحًا، وأن أبوابه فُتحت وأُغلقت وفق ميزان القوة، لا وفق الشراكة المتساوية.

والأخطر في هذا النوع من الخطاب أنه يعيد إنتاج فكرة قديمة بصياغة جديدة: أن صنعاء يمكن أن تُستعاد كـ“رمز جامع” بمجرد فصلها عن الحوثي، وكأن التاريخ السياسي السابق لم يحدث.

لكن الواقع أعقد من ذلك بكثير.

الحوثي لم يخترع المركزية.
لكنه حوّلها إلى نسخة أكثر صلابة وعنفًا، وأعاد استخدامها ضمن مشروعه الخاص.
غير أن المشكلة، بالنسبة للجنوبيين، لا تتوقف عند هذه النسخة الأخيرة فقط.

فمنذ عقود، ظل الجنوب في مواجهة مع مركز سياسي واحد، حتى وإن تبدلت أوجهه وأيديولوجياته.

ولهذا تبدو محاولة تقديم صنعاء كـ“وطن جامع” خطابًا جميلًا لغويًا، لكنه يصطدم بذاكرة سياسية لا يمكن تجاوزها بالعبارات الوجدانية.

اللافت أن هذا الطرح يأتي في لحظة تحاول فيها أطراف سياسية متعددة إعادة صياغة معنى الدولة والهوية، بينما ما يزال الجرح الجنوبي مفتوحًا حول شكل العلاقة مع المركز، لا مع الحوثي وحده.

وهنا تتضح زاوية القراءة الأكثر حساسية:

فالمسألة ليست في الدفاع عن صنعاء كمدينة،
ولا في إنكار جرائم الحوثي،
بل في محاولة إعادة تدوير فكرة “المركز الواحد” تحت غطاء عاطفي جديد.

وفي النهاية، تبقى المفارقة التي يهرب منها الخطاب الوحدوي مرارًا:

الحوثيون ليسوا صنعاء،
لكن صنعاء السياسية التي حكمت الجنوب طويلًا ليست مجرد ذكرى يمكن تجاوزها بلغة “الوطن الكبير”.

وهنا بالضبط يبدأ الصراع الحقيقي… لا على المدينة، بل على المعنى.

زر الذهاب إلى الأعلى