اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

ساعة قبل الضربة الكبرى… لماذا علّقت واشنطن هجومها على إيران

النقابي الجنوبي/خاص

قبل ستين دقيقة فقط من ضربة كانت ستدخل المنطقة في حرب شاملة، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب فجر اليوم الأربعاء 8 أبريل 2026، تعليق الهجوم على إيران لمدة أسبوعين. الإعلان قلب مسار التصعيد رأسًا على عقب، وجاء تتويجًا لوساطة باكستانية محمومة في اللحظات الأخيرة، وبداية لفصل تفاوضي جديد عنوانه إسلام آباد.

لكن تحت سطح التهدئة، تظل أسئلة تبحث عن إجابات: لماذا وافقت واشنطن على وقف النار في اللحظة الحاسمة؟ وما الذي تعنيه “مفاجأة” إسرائيل بالقرار؟ وماذا تخفي تفاصيل المقترحين المتبادلين — الأميركي من 15 نقطة والإيراني من 10 نقاط؟

هدنة بمقابل ومفاوضات تبدأ الجمعة

كتب ترمب على منصة “تروث سوشيال”: “بناءً على محادثات مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف والمشير عاصم منير، حيث طلبا مني تأجيل القوة التدميرية التي كان من المقرر إرسالها الليلة إلى إيران، وبشرط موافقة إيران على الفتح الكامل والفوري والآمن لمضيق هرمز، أوافق على تعليق قصف إيران والهجوم عليها لمدة أسبوعين”.

وأضاف أن التعليق “وقف لإطلاق النار من الجانبين”، مؤكدًا أن بلاده “حققت بل وتجاوزت جميع أهدافها العسكرية”، وأنها في “مرحلة متقدمة جدًا نحو سلام طويل الأمد مع إيران”.

وكشف ترمب عن تلقيه “مقترحًا من 10 نقاط” وصفه بأنه “أساس قابل للتفاوض”، موضحًا أن معظم الخلافات السابقة “تم الاتفاق عليها”، لكن فترة الأسبوعين ستمنح الفرصة “لاستكمال الاتفاق وإبرامه”.

في طهران، نقلت “نيويورك تايمز” عن ثلاثة مسؤولين أن المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي أقرّ الهدنة. وأعلن المجلس الأعلى للأمن القومي أن المفاوضات ستبدأ الجمعة 10 أبريل في إسلام آباد، وقد تستمر 15 يومًا قابلة للتمديد. هدف المحادثات: وضع اللمسات الأخيرة على المقترح الإيراني الذي يشمل “عبور مضيق هرمز، ورفع العقوبات، وانسحاب القوات القتالية الأميركية من القواعد الإقليمية”.

ثم أضاف المجلس، بوضوح لا لبس فيه: “المحادثات لا تعني نهاية الحرب”.

وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن العبور الآمن عبر المضيق سيكون ممكنًا لأسبوعين “من خلال التنسيق مع القوات المسلحة الإيرانية”. وأكد مسؤول عسكري أميركي لموقع “أكسيوس” أن وقف النار دخل حيز التنفيذ فعلًا.

ساعات من التهديد والنار قبل التراجع

لكن الطريق إلى هذه الهدنة لم يكن ممهدًا. فقبل ساعات فقط، كان ترمب قد كتب على المنصة نفسها: “حضارة كاملة قد تختفي الليلة، ولن تعود أبدًا. لا أريد أن يحدث ذلك، لكنه على الأرجح سيحدث”.

ومع اقتراب الساعة الثامنة مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة (الثالثة فجراً بتوقيت عدن) — موعد انتهاء المهلة — كثفت القوات الأميركية والإسرائيلية ضرباتها. استُهدفت جسور السكك الحديدية والطرق ومطار ومجمع بتروكيماويات، وامتد القصف إلى جزيرة خرج حيث محطة تصدير النفط الرئيسية لإيران، وفق رويترز.

الحرب التي دخلت أسبوعها السادس خلّفت أكثر من 5 آلاف ضحية في 12 دولة، بينهم أكثر من 1600 إيراني. وأدى إغلاق مضيق هرمز — شريان خمس إمدادات النفط العالمية — إلى قفزة حادة في الأسعار وهزّ الاقتصاد العالمي.

في هذا المشهد المشحون، انطلقت الدبلوماسية الباكستانية. كتب رئيس الوزراء شهباز شريف على “إكس”: “لإتاحة الفرصة أمام المسار الدبلوماسي، أطلب بإخلاص من الرئيس ترمب تمديد المهلة أسبوعين”. ووجّه نداءً موازيًا لطهران: افتحوا المضيق “كبادرة حسن نية”. نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس أدى دور المبعوث في هذه المحادثات، بينما ذكرت “نيويورك تايمز” أن الصين طلبت من إيران “إظهار المرونة وتهدئة التوترات”.

ما وراء الكواليس: تفاصيل المقترحين على الطاولة

بينما أُعلنت الهدنة كإطار عام، تكشف وثائق وتسريبات عن تفاصيل أكثر دقة لما سيُناقش في إسلام آباد.

مقترح أميركي من 15 نقطة

كشفت “نيويورك تايمز” والقناة 12 الإسرائيلية في 25 مارس مضامين مقترح أميركي لوقف الحرب يتضمن 15 بندًا: تفكيك البرنامج النووي الإيراني ووقف التخصيب، مقابل رفع كامل للعقوبات.

نقلت الصحيفة عن مسؤولين مطلعين أن الخطة تغطي برنامج الصواريخ الباليستية والملاحة البحرية. أما القناة 12، استنادًا إلى ثلاثة مصادر، فأوضحت أن المبعوثين جاريد كوشنر وستيف ويتكوف صاغا مسارًا يبدأ “بإعلان وقف نار لمدة شهر، يُتفاوض خلاله على اتفاق من 15 بندًا”.

بين المطالب الأميركية: تفكيك القدرات النووية الحالية، الالتزام بعدم السعي لسلاح نووي، منع تخصيب اليورانيوم على الأراضي الإيرانية، تسليم 450 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% للوكالة الدولية، تفكيك منشآت نطنز وأصفهان وفوردو، منح الوكالة صلاحيات وصول كاملة، التخلي عن الوكلاء الإقليميين ووقف تمويلهم، ضمان بقاء هرمز مفتوحًا، وتقييد برنامج الصواريخ.

مقابل ذلك: رفع كامل للعقوبات، مساعدة أميركية في تطوير برنامج نووي مدني، وإلغاء آلية “سناب باك” لإعادة العقوبات الأممية تلقائيًا.

لكن تقرير القناة 12 أشار إلى ما يقلق إسرائيل: ترمب وفريقه يريدون “اتفاق إطار أو اتفاق مبدئي” سريع مع طهران، بدلًا من الإصرار على تنفيذ المطالب كشرط مسبق لإنهاء الحرب. “سيناريو التوصل السريع إلى اتفاق مبدئي غامض يثير قلق القيادتين السياسية والأمنية في إسرائيل”، وفق التقرير.

مقترح إيراني من 10 نقاط

كشفت “نيويورك تايمز” في 6 أبريل أن إيران قدمت بدورها مقترحًا من 10 نقاط لإنهاء الحرب، نُقل عبر باكستان.

قال مسؤولان إيرانيان كبيران للصحيفة إن المقترح يشمل: ضمان عدم تعرض إيران لهجوم مرة أخرى، وقف الضربات الإسرائيلية ضد “حزب الله”، ورفع جميع العقوبات.

الثمن الذي تعرضه طهران: إنهاء حصار مضيق هرمز، مع فرض رسوم تبلغ نحو مليوني دولار على كل سفينة، تتقاسمها مع سلطنة عمان. حصة إيران من هذه العائدات ستُخصص لإعمار بنيتها التحتية المدمرة، بدلًا من المطالبة بتعويضات مباشرة.

وذكرت وسائل إعلام رسمية إيرانية أن نص المقترح “يرفض وقف إطلاق النار” و”يؤكد ضرورة إنهاء الحرب بشكل دائم”.

نوافذ للتفكير: ما الذي لم يُجب عنه بعد؟

رغم وفرة التفاصيل، تترك التطورات فراغات لم تُملأ بعد.

ما الذي تعنيه “الأهداف العسكرية” التي يقول ترمب إنه حققها؟

لم يحدد الرئيس الأميركي هذه الأهداف. هل يقصد تدمير قدرات عسكرية إيرانية محددة؟ أم تأمين الممرات الملاحية؟ أم إضعاف الحرس الثوري؟ الغياب الكامل للتفاصيل يجعل تقييم الادعاء من زاوية مستقلة شبه مستحيل.

كيف نفسر “مفاجأة” إسرائيل؟

هنا يكمن التباين الأشد إثارة. فبينما يتحدث البيت الأبيض عن “موافقة إسرائيل”، نقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مصدر: “فوجئنا بقرار ترمب. تلقينا التحديثات في اللحظات الأخيرة”. وأضاف مصدر لـCNN أن الالتزام الإسرائيلي “يأتي على مضض، إذ لا تزال لديها أهداف تسعى لتحقيقها”.

إذا كانت واشنطن تقول إنها حققت أهدافها العسكرية، فلماذا تقول تل أبيب — حليفتها في العمليات — إنها لم تحقق أهدافها بعد؟ وهل تكشف “المفاجأة” عن شرخ في التنسيق الاستراتيجي؟

أي المقترحين سيحكم التفاوض؟

على الطاولة وثيقتان: أميركية من 15 نقطة تركز على تفكيك القدرات النووية والصاروخية وإنهاء شبكة الوكلاء، وإيرانية من 10 نقاط تركز على ضمانات أمنية ورفع العقوبات وترتيبات هرمز. هل ستُعقد المفاوضات على أساس إحداهما، أم على أساس دمج بينهما؟ وكيف سيُوفَّق بين رؤيتين تختلفان في الجوهر؟

هل تنتهي الحرب فعلًا أم تلتقط الأنفاس؟

إيران قالت صراحة إن المحادثات “لا تعني نهاية الحرب”. ترمب تحدث عن “سلام طويل الأمد”. الفجوة واسعة. فهل يجلس الجميع لإنهاء الصراع، أم لإدارة هدنة مؤقتة ريثما تتبدل موازين الميدان أو السياسة؟

ردود الفعل: التزام حذر وترقب

أكد مسؤولان في البيت الأبيض لرويترز أن “إسرائيل جزء من وقف إطلاق النار وستوقف ضرباتها خلال المفاوضات”. وقالت المتحدثة كارولين ليفيت إن “مناقشات تجري حول محادثات مباشرة” بين واشنطن وطهران، لكن “لا شيء نهائي حتى يعلنه الرئيس”.

السفير الإيراني لدى باكستان، رضا أميري مقدم، وصف الجهود الباكستانية بأنها “خطوة إلى الأمام بعد مرحلة حرجة”، داعيًا إلى “استبدال الخطابات الرنانة بنهج يقوم على الاحترام”. وقبيل إعلان ترمب، أجرى وزير الخارجية الباكستاني اتصالات مع نظرائه في السعودية ومصر وتركيا.

التهدئة… والأسئلة العالقة

جاء إعلان الهدنة قبل ساعة من موعد كان ينذر بضربة كبرى مدمرة، ليوقف مسار حرب دخلت أسبوعها السادس. وبموجب التفاهمات، تلتزم واشنطن وطهران وتل أبيب بوقف العمليات العسكرية لأسبوعين، تفتتحهما مفاوضات الجمعة في إسلام آباد.

على الطاولة، مقترحان متباينا الروح والتفاصيل: أميركي يركز على التفكيك النووي وإنهاء الوكلاء، وإيراني يركز على ضمانات الأمن ورفع الحصار الاقتصادي. وبينهما، تظل الأسئلة معلقة: ماذا تحقق عسكريًا فعلًا؟ كيف تفسر مفاجأة إسرائيل؟ وأي المسارين سيحكم الجولة التفاوضية؟

الإجابات، إن ظهرت، ستأتي في الأيام المقبلة لا في بيانات الليلة الأولى. وحتى ذلك الحين، تبقى هدنة هرمز محاطة بضباب لا يقل كثافة عن دخان الحرب التي أوقفتها مؤقتًا.

إعداد:
هشام صويلح
صحيفة وموقع النقابي الجنوبي

زر الذهاب إلى الأعلى