من التصعيد إلى التسوية… واشنطن تغيّر موقفها تجاه إيران وسط وساطات وضغوط إقليمية

هشام صويلح/خاص
هل تغيّر الموقف الأمريكي من الحرب مع إيران خلال أيام قليلة فقط؟ هذا السؤال برز بقوة بعد سلسلة من التصريحات والتحركات التي عكست انتقالًا لافتًا من لغة التصعيد العسكري إلى الحديث عن تسوية محتملة، في وقت تتكثف فيه جهود وساطة إقليمية ودولية لمحاولة احتواء المواجهة ومنع اتساعها.
تحوّل في الخطاب الأمريكي
في بداية المشهد، بدا الموقف الأمريكي متشددًا. تصريحات الرئيس الأمريكي التي أكدت استبعاد وقف إطلاق النار عكست توجهًا نحو استمرار الضغط العسكري، خاصة مع التلويح بضربات تستهدف البنية التحتية للطاقة الإيرانية. غير أن هذا الخطاب تغيّر سريعًا بعد أيام قليلة، عندما أعلن أن طهران “تريد التسوية”، مؤكدًا أن واشنطن ستعمل على إنجازها.
هذا التحول لم يكن مجرد تغيير لغوي، بل جاء مصحوبًا بإشارات إلى تقدم في الاتصالات غير المباشرة، ما دفع مراقبين إلى الحديث عن إعادة تقييم داخل الإدارة الأمريكية لمسار المواجهة. وتزامن ذلك مع حديث عن مقترح تفاوضي يتضمن مجموعة من البنود المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني والقدرات الدفاعية، إضافة إلى قضايا إقليمية أخرى.
تهديدات سبقت الانفتاح
قبل هذا التحول، كانت واشنطن قد صعّدت لهجتها، مهددة بضرب منشآت الطاقة الإيرانية إذا لم يُفتح مضيق هرمز خلال مهلة محددة. هذا التهديد اعتُبر مؤشرًا على استعداد لتوسيع نطاق المواجهة، خصوصًا أن المضيق يمثل شريانًا حيويًا لتدفق النفط العالمي.
لكن التصريحات اللاحقة حول إمكانية التوصل إلى تسوية أعادت طرح تساؤلات حول ما إذا كان التصعيد جزءًا من استراتيجية ضغط تفاوضي، أم أن التطورات الميدانية والدبلوماسية دفعت إلى تعديل الحسابات. وفي هذا السياق، أشار مسؤولون إلى أن الاتصالات بدأت تقريبًا في الوقت ذاته الذي أُطلقت فيه التهديدات، ما يعزز فرضية أن التصعيد كان متزامنًا مع مسار دبلوماسي موازٍ.
وساطات متعددة خلف الكواليس
تزامن التحول الأمريكي مع نشاط دبلوماسي واسع تقوده عدة دول. وتشير المعطيات إلى أن باكستان وتركيا ومصر وسلطنة عُمان من بين الأطراف التي انخرطت في جهود الوساطة. وتتمحور هذه الجهود حول وقف إطلاق النار وتأمين الملاحة في مضيق هرمز، إضافة إلى بحث ترتيبات أوسع لخفض التصعيد.
وتحدثت مصادر عن احتمال استضافة باكستان لقاء بين الجانبين، في حال موافقتهما، وهو ما يعكس استعداد إسلام آباد للعب دور مباشر. كما أُشير إلى تبادل رسائل عبر قنوات عمانية، في حين أجرت أطراف إقليمية اتصالات مكثفة لتقريب وجهات النظر.
تعدد الوسطاء يعكس إدراكًا دوليًا لخطورة التصعيد، خصوصًا أن اتساع المواجهة قد يؤثر على استقرار المنطقة وسوق الطاقة العالمية. كما يعكس في الوقت نفسه غياب قناة تفاوض مباشرة واضحة بين واشنطن وطهران، ما يجعل المسار الدبلوماسي أكثر تعقيدًا.
تضارب الروايات
في مقابل الحديث الأمريكي عن اتصالات ومحادثات، نفت طهران إجراء أي مفاوضات مباشرة، معتبرة أن التراجع الأمريكي جاء نتيجة مخاوف من رد إيراني. هذا التضارب في الروايات ألقى بظلال من الشك على طبيعة الاتصالات، وما إذا كانت وصلت إلى مستوى مفاوضات فعلية أم بقيت في إطار تبادل الرسائل.
ورغم النفي الإيراني، فإن صياغته لم تستبعد وجود اتصالات غير مباشرة، وهو ما ترك الباب مفتوحًا أمام احتمال استمرار المساعي الدبلوماسية. هذا الغموض يعكس طبيعة المفاوضات الحساسة، التي غالبًا ما تبدأ عبر قنوات غير معلنة قبل الوصول إلى صيغة رسمية.
ضغوط إقليمية وتحذيرات
أحد العوامل التي قد تكون ساهمت في تعديل الموقف الأمريكي يتمثل في التحذيرات التي صدرت من حلفاء إقليميين. فقد أبدت دول في الخليج مخاوف من أن استهداف البنية التحتية للطاقة في إيران قد يؤدي إلى ردود فعل متبادلة تشمل منشآت حيوية في المنطقة، بما في ذلك محطات تحلية المياه.
هذه المخاوف سلطت الضوء على احتمال اتساع نطاق المواجهة ليشمل أطرافًا متعددة، وهو ما دفع إلى تكثيف الاتصالات لتفادي التصعيد. كما أن أي اضطراب في تدفق النفط عبر مضيق هرمز من شأنه أن ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي، وهو عامل ضغط إضافي نحو التهدئة.
انعكاسات اقتصادية سريعة
الحديث عن إمكانية إجراء محادثات انعكس سريعًا على الأسواق المالية. فقد سجلت بورصة وول ستريت ارتفاعًا ملحوظًا، في حين تراجعت أسعار النفط، وهو ما يشير إلى أن المستثمرين تلقوا إشارات التهدئة بإيجابية. هذه التحركات تؤكد أن المسار الدبلوماسي أصبح عنصرًا مؤثرًا في حسابات الاقتصاد العالمي.
كما أن استمرار الغموض حول نتائج الاتصالات أبقى الأسواق في حالة ترقب، إذ تعتمد التوقعات على مدى جدية الأطراف في تحويل الاتصالات إلى مفاوضات فعلية.
شروط ومطالب تفاوضية
التصورات المتداولة حول المقترح الأمريكي تشير إلى مجموعة من البنود، أبرزها عدم امتلاك إيران سلاحًا نوويًا، وإعادة اليورانيوم عالي التخصيب، إضافة إلى قيود على القدرات الدفاعية ودعم الحلفاء الإقليميين. وتشير مصادر إلى أن بعض هذه البنود قد يكون من الصعب على طهران قبولها، ما يعني أن الطريق نحو اتفاق لا يزال طويلًا.
في المقابل، يُرجّح أن تسعى إيران إلى الحصول على ضمانات تتعلق برفع الضغوط الاقتصادية والأمنية، وهو ما يجعل المفاوضات المحتملة معقدة ومتشعبة.
مسار مفتوح على الاحتمالات
يعكس التحول في الخطاب الأمريكي من التصعيد إلى الحديث عن التسوية مرحلة جديدة في مسار المواجهة، تتداخل فيها الضغوط العسكرية مع التحركات الدبلوماسية. وتعدد الوسطاء، وتضارب الروايات، والتحذيرات الإقليمية، كلها عوامل تشير إلى أن الأزمة دخلت مرحلة اختبار، قد تقود إما إلى تهدئة تدريجية أو إلى جولة جديدة من التصعيد. وحتى تتضح ملامح المسار النهائي، يبقى المشهد محكومًا بتوازن دقيق بين الضغط والتفاوض، في ظل متابعة دولية حثيثة لأي تطور قد يعيد رسم معادلة الصراع.