الأرض لا تُستعاد بالأمنيات بل تُنتزع بميزان القوة والإرادة

علي بريك عبدالله لحمر العولقي
لم يأتِ الرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي إلى المشهد الجنوبي بوصفه طارئًا سياسيًا ولا كمنتج لتفاهمات إقليمية أو تسوية مؤقتة بل جاء بوصفه نتاجًا تاريخيًا مباشرًا لانكسار الجنوب الكبير عام 1994م تلك اللحظة التي سقط فيها وهم “الوحدة” كشراكة وطنية وانكشفت حقيقتها كمشروع هيمنة وإقصاء وإلغاء للآخر.
منذ تلك اللحظة لم يكن انسحاب الزُبيدي من المواجهة العسكرية نهاية للصراع بل بداية لمرحلة أكثر تعقيدًا وخطورة:
مرحلة إعادة بناء الوعي الجنوبي وإدارة صراع طويل النفس يُدرك أن استعادة الأوطان لا تُنجز بردّات الفعل بل بتراكم التنظيم والصبر وبناء القوة في الزمن الصعب.
من المقاومة إلى المشروع
حين أسّس الزُبيدي نواة المقاومة الجنوبية في الضالع عام 1996م لم يكن يتحرّك بدافع ثأري أو انفعال سياسي بل كان يضع اللبنة الأولى لمشروع تحرري تراكمي صمد في وجه القمع والتهميش والتجريف الممنهج حتى أثمر بعد قرابة عقدين بتحرير الضالع عام 2015م.
ومن هناك تحوّلت المقاومة الجنوبية إلى الفاعل الميداني الحقيقي في معركة تحرير الجنوب من الغزو الحوثي–العفاشي في لحظة أدرك فيها التحالف العربي أن من يمتلك الأرض والإرادة والقدرة على القتال هو الجنوب لا “شرعية” فقدت القرار والجغرافيا معًا.
لم يكن تعيين الزُبيدي محافظًا لعدن منصبًا إداريًا عابرًا بل اختبارًا عمليًا لفكرة الدولة الجنوبية.
وفي واحدة من أعقد البيئات الأمنية في الإقليم نجح في تفكيك شبكات الإرهاب وبناء نموذج أمني صارم أثبت أن الجنوب قادر على إدارة نفسه متى ما امتلك قراره.
غير أن القائد الذي يحمل مشروع وطن لا يتوقف عند إدارة مدينة بل يتجه نحو استعادة دولة.
في 4 مايو 2017م وُلد المجلس الانتقالي الجنوبي بتفويض شعبي غير مسبوق ليشكّل أول حامل سياسي–تنظيمي متكامل لقضية الجنوب يقودة الرئيس عيدروس الزبيدي من سناح الضالع إلى شحن المهرة.
لم يكن كيانًا احتجاجيًا بل إطارًا يربط بين حماية الأرض وصيانة القرار السياسي استعدادًا للحظة التاريخية الفاصلة لتحرير الجنوب واعلان دولته على حدود1990/5/21م.
إن الواقعية السياسية وحدود الشراكة فرضت الشراكه في الشرعيه وكان من الممكن انتزاع الشرعية كاملة في الجنوب غير أنها فرضت على شعب الجنوب تلك الشراكه كمرحلة انتقالية حتى تحرير الشمال لا باعتبارها نهاية المسار بل محطة مؤقتة ولكن لم يتم تحرير الشمال وفشل تلك الشراكه .
واصبحت هذه الشراكة تشكل خطر على شعب الجنوب فقد تحوّلت عمليًا إلى أداة حرب ناعمة ضد الجنوب:
حرب خدمات
حرب تجويع
وحرب كسر إرادة
تقودها شبكات فساد داخل مجلس القيادة استهدفت الجنوب لأنه يرفض العودة إلى مربع الاحتلال اليمني للجنوب.
عندما اتضح أن الحوارات تُدار خارج إرادة شعب الجنوب في مسقط وغيرها جاء قرار 3 ديسمبر 2025م بوصفه فعلًا سياديًا جنوبيًا خالصًا هدفه خلق واقع سياسي جديد يفرض القضية على الطاولة الإقليمية والدولية.
لم يكن القرار مغامرة فردية بل استجابة لإرادة شعب ووفاءً لدماء الشهداء وتجسيدًا لوعد تاريخي:
أن الأرض لا تُستعاد بالأمنيات بل تُنتزع بميزان القوة والإرادة.
اصطدمت لحظة التقدّم بواقع دولي معقّد فكان الانسحاب التكتيكي بسبب غياب الغطاء الإقليمي والدولي وتواطؤ أطراف إقليمية مع قوى يمنية معادية لقضية الجنوب وشعبه
وضغوط سياسية واقتصادية مركّبة.
وهنا كان الانسحاب التكتيكي قرار عقل دولة لا ردّة فعل هزيمة.
فالسياسة – كما الحرب – ليست اندفاعًا أعمى بل إدارة توقيت وحساب ميزان قوى وحماية للجوهر الاستراتيجي للقضية.
محاولات تخوين الرئيس الزُبيدي أو اتهامه بالانفراد بالقرار لا تعكس إلا خوف أصحابها أو ضيق أفقهم.
فالحقيقة الصلبة أن قضية الجنوب اليوم متلازمة عضويًا مع قيادة عيدروس الزُبيدي لا لأنه معصوم بل لأنه:
تراكم نضالي صادق
شرعية شعبية حقيقية
حضور سياسي وعسكري معترف به
عنوان واضح للقضية في الداخل والخارج
والتفريط بالقيادة في هذه المرحلة هو تفريط بالقضية نفسها.
الجنوب لا يبحث عن سلطة ولا ثروة بل عن استعادة دولته وحقه في تقرير مصيره.
والتاريخ يُعلّمنا أن الشعوب التي تُفرّط بقيادتها في لحظات الصراع المصيري تدفع ثمن ذلك أجيالًا.
إن استعادة دولة الجنوب ليست شعارًا بل مشروعًا تاريخيًا طويل النفس
ولن يتحقق إلا بتماسك الجبهة الداخلية والالتفاف الواعي حول القيادة
حتى يُنتزع القرار الوطني الجنوبي كاملًا… دون نقصان.
استعادة دولتنا هدفنا… وغايتنا.