فاتورة الابتزاز: باكستان تُلقّن السعودية العزيزة درساً في “البلطجة” السياسية

جاسم الجريّد
في تشريحي المستمر لما أسميته “بيت عائلة الإسلام السياسي”، تبرز اليوم حالة “باكستان والسعودية” كنموذج صارخ لانهيار الدبلوماسية التقليدية وتحولها إلى عملية مقايضة مادية فجة. إن قائمة المطالب الثمانية التي وضعتها إسلام آباد على طاولة الرياض ليست مجرد طلبات مساعدة، بل هي “فاتورة ابتزاز” صريحة، تستغل حاجة المملكة لظهير عسكري وسياسي في ظل تخبطها الإقليمي وصراعاتها التي لا تنتهي.
إن ما تقوم به باكستان اليوم هو “بلطجة” سياسية بامتياز، لكن المفارقة أنها تستخدم نفس الأدوات والأساليب التي أسست لها السعودية لسنوات؛ وهي ربط المواقف المبدئية والتحالفات بـ “دبلوماسية الشيكات”. لقد تعلمت إسلام آباد من “المعلم” أن كل “فزعة” آيديولوجية لها ثمن باهظ، والرياض اليوم تجد نفسها “مطقوقة” بيد حليفها الذي أدرك أن “بيت العائلة” مبني على المصلحة لا على المبادئ. السعودية تدفع اليوم ثمن سياسة شراء الولاءات، حيث تحول حلفاؤها إلى دائنين يطالبون بسداد فواتيرهم بأسلوب الابتزاز العيني.
وتتمثل هذه الفاتورة الباكستانية في ثماني نقاط لا تقبل التأويل:
تحويل وديعة الـ 5 مليارات دولار الحالية من قصيرة الأجل إلى تسهيلات طويلة الأجل لمدة 10 سنوات.
ازيادة قيمة التسهيلات النفطية مؤجلة الدفع من 1.2 مليار دولار إلى 5 مليارات دولار.
تمديد فترة سداد مبالغ النفط من سنة واحدة إلى ثلاث سنوات لكل دفعة.
توريق تحويلات المغتربين الباكستانيين بقيمة 10 مليارات دولار لجمع السيولة.
تقديم السعودية ضمانات سيادية لإصدار صكوك دولية باكستانية جديدة بأسعار فائدة منخفضة.
توفير خط ائتمان ميسر لبنك التصدير والاستيراد الباكستاني الجديد.
التنازل عن متطلبات الضمان المصرفي للمعاملات التجارية المتعلقة بالاستيراد مع باكستان.
التدخل لدى صندوق النقد الدولي لتعديل أهداف الفائض الأولي لباكستان لتخفيف الضغط الضريبي.
وعلى النقيض تماماً من هذا المشهد المرتبك، يبرز السلوك الدبلوماسي لدولة الإمارات العربية المتحدة كنموذج للرصانة والتقدير الدولي الواسع. الإمارات لا يمكن أن يبتزها أحد، لا باكستان ولا غيرها؛ لأنها ببساطة بنت دبلوماسيتها على أسس اقتصادية وقانونية متينة وشراكات استراتيجية محترمة، لا على شراء الذمم المتقلبة. الدبلوماسية الإماراتية تحظى بتقدير عالمي لأنها تتحدث لغة الدولة القوية والواثقة، بينما تجد الرياض نفسها في زاوية ضيقة، مجبرة على الاستجابة لطلبات إسلام آباد “البلطجية” لكي لا ينهار سقف “بيت العائلة” فوق الجميع.
إن هذه المطالب هي شهادة وفاة للسياسة السعودية القائمة على الآيديولوجيا المتقلبة. فمن يبني بيته من زجاج، لا يرمي الناس بالمال لكي يحموه، لأنهم سيكونون أول من يكسرون هذا الزجاج إذا لم يزدد العطاء.
باكستان “طلعت” أذكى في قراءة الضعف السعودي، والرياض وجدت نفسها ضحية لمنطق “البلطجة” الذي كانت تظن أنها الوحيدة التي تجيد ممارسته.