المرأة في يومها: صمود، روح، وعقل متكامل

د. مريم العفيف
في هذا اليوم الذي يُضيء على المرأة حضورها الفريدفي مسرح الحياة،نتوقف لنقرأها كما لم تُقرأ من قبل؛ليس بعين المظهر،بل بعين الروح والفكر، وبعقل الوعي الذي يدرك أن الإنسان لا يُقاس بظواهره وحدها،بل بقدرته على الإبداع والعطاء والصمود.المرأة ليست نصف المجتمع،ولا مجرد دور اجتماعي، بل كيان إنساني متوازن بين الفعل والفكر، بين العاطفة والعقل، بين القوة والرحمة، ليغدو معيارًا تُقاس به الحضارات وتُعرف به قيمة الأمم.
عبر التاريخ، كانت المرأة رمزًاللفكر المستنير، والصبرالذي يتجاوزحدود الممكن، والإرادة التي لا تنكسرأمام الزمان أو الظروف. عقلها يبتكر، وقلبها يمنح،ويدها تبني،وصبرها يقهرالعوائق. هي الصمود في أبهى صوره الفلسفية،والإبداع في أعظم تجلياته،والعطاء في أسمى مظاهره. فمنها تتعلم الأجيال أن الحرية لا تُنال بلا ثبات، وأن الكرامة لا تُصان إلا بالإرادة، وأن العظمة ليست صخبًا أو سيطرة،بل قدرة على الجمع بين الفعل والجوهر، بين الكلمة والعمل، بين العقل والروح.
حضور المرأة يمنح المجتمع توازنه الداخلي،ويفتح أمامه آفاق التفكير المبدع ورؤية لا تُقيدها المصالح العابرة.صوتها الحكيم يزرع الثقة في القلوب، ويجعل القرارأكثراتزانًا،والمشروع أكثر متانة، والنضال أكثر قدرة على الاستمرار. إنها القوة التي تُقاس بقدرتهاعلى تشكيل الإرادة، وتحريك العقول،وإشعال الشعوربالمسؤوليةوالوفاء.
المرأةليست مجرد مشاركة،بل محورأصيل في كل مساريسعى إلى الحرية والكرامة.حضورها يرفع الروح ويحول المستحيل إلى ممكن. هي التي تذكر العالم بأن العدالةبلامساواةناقصة،وأن المجدبلا كرامةلا معنى له،وأن الإرادةالجماعيةتشتدكلما كانت المرأةشريكةحقيقيةفي رسم طريقهاوفي كل عصركانت شعلةلاتنطفئ،رمزالصمودوالتحدي.
الاحتفاء بالمرأة اليوم ليس كلمات تقال،بل إعلان فلسفي ووجودي عن عمق دورهافي تشكيل الحياة،وعن القيمةالجوهريةالتي تضيفهاإلى المجتمع،وعن قدرةالإنسان على أن يكتمل حين تتحدالمرأةمعه في الرؤيةوالفعل والقرار.إنه قراءة دقيقة للزمان والمكان،وتقديرللإرادةالتي لا تنكسر، وللعقل الذي يوازن بين الفعل والقيم،وللإبداع الذي يبني المجتمعات ويصنع الحضارات.
المرأةهي محورالحضارات،والكيان الذي يمنح التوازن بين العقل والقيم،والقوةالتي تمنح بلا غطرسة،والحكمةالتي تعمل بلا تبجح.تعلمنا أن الفعل بلاروح لا قيمة له،وأن الكلمة بلافعل تبقى فارغة،وأن الحريةبلاعدالةناقصة،وأن العظمة تتحقق حين يتحدالقلب والعقل والروح في وحدة متكاملة.
فلنحتفل بالمرأةاليوم ليس بالكلمات فقط،بل بالاعتراف بعمق تأثيرهاوتمكينهالتواصل بناء المجتمع وصناعةالحضارة وتوجيه المستقبل، ولتظل روح المبادرةقبل الفعل،وعقل الحكمةقبل القرار،وقلب الرحمةقبل الحكم،ونور الحقيقة قبل الظلام. لن يكتمل العالم إلا إذا كانت المرأة في قلب كل قرار،وفي صميم كل إنجاز،وفي شراكة حقيقية مع كل لحظة من تاريخ الإنسانية.
العظمةالحقيقيةليست في القوةوحدها، بل في القدرةعلى الجمع بين الحزم والرحمة،بين العقل والقلب،بين العطاءوالصمود،بين الحريةوالعدالة، بين الفكروالفعل.المرأة هي المعيار الذي يُقاس به تاريخناومستقبلنا،والمثال الأسمى للصمودوالإبداع والوفاء للحياة. فكل حضارة صامدة وكل مجتمع مزدهريعكس حضورالمرأة،وكل مسارنحوالتقدم يكتسب معناه حين تكون شريكةحقيقية في رسم المصيروصناعة القراروبناءالمستقبل.
وفي ختام هذاالمعنى الذي يتجاوزحدودالكلمات، يبقى للروح حديثها الذي لا يشيخ:
لروحي وعقلي وقلبي وذاتي،ولتفاصيلي التي صاغتني كما أنا، ولرباطي المقدّس مع قيمي وثوابتي، أفيض وافر الحُب والامتنان. أحتفي بما فيّ من تفردٍ لا يذوب في الزحام، وبشخصيةٍ لها حقها الكامل في الاعتزاز بذاتها، وبثوابتٍ لا تنحني لعابرٍ من الأزمنة. ليس هذا احتفاءً لتسجيل كلمة في يومٍ عابر، بل اعترافٌ بفرادةٍ إنسانيةٍ تقف شامخةً في فضاء الحياة، وترى في ذاتها مصدر فخرٍ مشروع.
إنه تميّز لا يقاس بالضجيج، بل بعمق الأثر،ولا بالظهورالعابر،بل بثبات القيمة؛تميّز ندر أن يتكرر على جغرافياهذه الأرض البسيطة،لكنه حين يولد يترك بصمته في الذاكرة والوجدان، شاهدًا على أن التفردالحقيقي ليس ادعاء، بل حضورأصيل يكتب نفسه بهدوءووقار.
وفي القلب مساحة لا يشاركها أحد، مساحة الامتنان الأولى:
كل لحظةٍ وأنتِ يا امرأة أنجبتني بصحةٍ وحب، يا من صغتِ ملامحي بما يليق بي شموخًا وآبّة، يا أمي؛ صديقة العمر وسر نبضي الخالد، ودفء البدايات الذي لا يبرد أبدًا.
ولرباطي المقدّس الذي أختاره كل يوم بوعي القلب وصفاء الروح؛كل لحظة وأنا لأجلنا مفعمة بالشغف، ماضيةبثقة نحومايستحقنا،ماجدة بعلوك لقدري، وباعتزازك الصادق بشأني،ففي هذا الاعتزاز يولد المعنى، وفي هذا الرباط تنمو الطمأنينة التي تجعل للحياة اتساعها الجميل.