اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

#السعودية بين الدماء وغسل الذاكرة

#السعودية بين الدماء وغسل الذاكرة

خليل السفياني

ليست الدماء سلعة، ولا الذاكرة دفترَ حساباتٍ يُغلق براتبٍ آخر الشهر ، فحين تُسفك الأرواح لا تعود الأرقام ذات معنى، وحين تُقصف البيوت، لا تُرمَّم الذاكرة بالفلوس.
هذه حقيقة صلبة تصطدم اليوم بمحاولاتٍ فجة لتلميع صورةٍ مثقوبةٍ بتاريخٍ ثقيل من القصف والقتل، وتحديداً في حضرموت والمهرة والضالع.

تحاول المملكة العربية السعودية—بآلة المال والإعلام—أن تعيد صياغة المشهد وأن تُقايض الألم بالرواتب، والدم بالمنح، والذاكرة الجماعية بوعودٍ عابرة، لكنها تتناسى أن الذاكرة الجنوبية ليست هشّة، وأن أسماء الجنود والمواطنين والنساء والأطفال الذين سقطوا تحت قصف طائراتها ليست أرقاماً في تقارير عسكرية، بل جراحاً مفتوحة في وجدان الناس.
في حضرموت حيث التاريخ والكرامة، لم يكن القصف إلا فعلاً عسكرياً ترك أثره على البشر والحجر.

في المهرة حيث السكينة اخترقت الطائرات سماءً لم تعرف الحرب، لتزرع الخوف بدل الطمأنينة، وفي الضالع حيث الصمود، سالت دماء المواطنين والنساء والأطفال معاً، بلا تمييز، وبلا محاسبة.

كل ذلك حدث، وكل ذلك موثّق، وكل ذلك لا يُمحى بحملات علاقات عامة ولا بتحويلات مالية.

المال—مهما كثر—لا يعيد طفلاً إلى حضن أمّه، ولا يمسح دمعة امرأة فقدت بيتها وأمانها، ولا يُعيد جندياً سقط وهو يؤدي واجبه.
إن محاولات شراء الصمت ليست سوى إهانةٍ إضافية للضحايا، وكأن المطلوب من الناس أن ينسوا لأن “الراتب وصل”، أو أن يصمتوا لأن “المعونة قُدّمت”.
إن أخطر ما في هذا السلوك ليس القصف ذاته فحسب، بل الاستخفاف بالعقول والضمائر. فالسعودية بدلاً من الاعتراف الصريح والمساءلة الجادة، والاعتذار الحقيقي، اختارت طريق الإنكار والتغليف بالمال. وهذا الطريق لا يقود إلا إلى مزيد من السخط، لأن الشعوب قد تصبر على الفقر، لكنها لا تغفر الإهانة ولا تنسى الدم.
إن الذاكرة الجنوبية هنا هي مسؤولية تجاه من رحلوا بلا ذنب، وتجاه أحياءٍ يعيشون بآثار القصف في أجسادهم وبيوتهم ونفوسهم، ومسؤولية تجاه حقيقةٍ لا تقبل التزييف: أن القصف السعودي في حضرموت والمهرة والضالع خلّف ضحايا، وأن محاولة القفز فوق هذه الحقيقة خيانة للعدالة.
الدماء لا تُشترى، والذاكرة لا تُمسح.

إن من يظن أن المال قادر على إسكات الشعوب، لم يفهم بعد أن الشعوب قد تُرهق، لكنها لا تنسى. وأن الذاكرة—حين تتغذى بالدم—تصير أقوى من أي خزائن، وأشدّ حضوراً من أي دعاية

زر الذهاب إلى الأعلى