إلى كلمةٍ سواء…

د. عادل النمري
في مثل المنعطفات التاريخية الحرجة، التي نمر بها في جنوبنا الحبيب، يجب ألا تكون الحاجة إلى الصراخ والغوغائية أعلى من الحاجة إلى الحكمة والتأني، وألا تكون الحاجة إلى التنازع والخصام أشدُّ من الحاجة إلى التلاقي والتلاحم والتآخي. وفي هذا الظرف الحرج والدقيق الذي تمر به القضية الجنوبية، تتقدم مسؤولية الكلمة الصادقة على كل ما عداها، كلمةٍ سواء، تُطفئ نيران التطرف السياسي والمناطقي البغيض، وتعيد البوصلة إلى حيث يجب أن تكون مصلحة الجنوب أرضًا وإنسانًا ومستقبلًا.
إن أرض الجنوب، وهي ترزح منذ عقود تحت أعباء وحدة مشؤومة ظالمة أهدرت مقدراتها، وعبثت بمؤسساتها، وأثقلت كاهل إنسانها بالحرمان والإقصاء والتهميش. لا نحتاج اليوم إلى مزيد من الانقسام والتشظي؛ بل نحتاج إلى وعيٍ جامع، يُدرِك أن القضايا العادلة لا تُختزل في أشخاص معينين، ولا تُرهن لكيانات محددة، ولا تُصادر باسم مناطق بذاتها من دون سواها، أو مسميات وهمية، أو شعارات سفسطائية. فالقضية الجنوبية أكبر من الجميع، وأبقى من الجميع، هي ملك لشعبٍ كامل، لا لفئةٍ بعينها أو مجلسٍ ما أو قيادة دون غيرها.
إن حق الشعب الجنوبي في تقرير مصيره حقٌ أصيل متجذر، كفلته الشرائع السماوية والقوانين الدولية، والأعراف الإنسانية، ولا يجوز التفريط به أو المتاجرة به أو المزايدة عليه، أو ربطه بمصير أفراد، مهما علت أسماؤهم، أو قوى داخلية أو خارجية، مهما اشتد نفوذها.
هذا الحق لا يتحقق بالإقصاء، والتهميش، ولا بالوصاية والتبعية، ولا بإعادة إنتاج مظالم جديدة؛ بل يتحقق بالحكمة والرزانة، وتحكيم لغة العقل، وبالعمل المشترك، وبإشراك كل شرفاء الجنوب العربي، على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم، في بناء وطنٍ يتسع للجميع، ودولةٍ مدنية حديثة، تؤمن بالحرية والكرامة والمواطنة المتساوية.
لقد آن الأوان لنبذ خطاب الكراهية، ورفض العنصرية بكل أشكالها، ومقاومة النزعات المناطقية التي لا تخدم إلا أعداء الجنوب وقضيته؛ إذ علينا الاستفادة من الدروس القاسية التي خبرناها، والتجارب المريرة التي تجرعناها؛ فالتاريخ علّمنا أن الأوطان لا تُبنى على الثأر، أو بالمؤامرات والدسائس بين الإخوة الفرقاء، ولا تُدار بالعاطفة وحدها؛ بل تُشيَّد بالعقل والعلم، وتُحمى بالعدل والمساواة، وتستقر حين يشعر المواطن أن الدولة دولته، والقانون حاميه، وكرامته مصانة، وحقوقه محفوظة، والجميع متساوون في الحقوق والواجبات.
وعلى وفق ذلك، وفي هذا السياق، فإن الواجب الوطني والأخلاقي يقتضي إدانة كل من تورط في زعزعة الأمن أو ارتكب تجاوزات بحق المواطنين، أياً كان انتماؤه، سواء أكان من المجلس الانتقالي، أم من حكومة الشرعية، أم من سلطة الأمر الواقع، أو من أي كيان سياسي أو عسكري آخر؛ إذ لا قداسة لفعلٍ يهدد السلم الاجتماعي، ولا حصانة لمن يعبث بأمن الناس وحقوقهم، فالدولة العادلة لا تقوم إلا على مبدأ المساءلة، وسيادة القانون على الجميع من دون استثناء. وفي المقابل يجب ألا ننكر جهد أي أحد، ولا نجحد حقه، ولا نتسلق على إنجازاته، فلكل مجتهد نصيب من الصواب والخطأ.
كذلك أن الجنوب، وهو ينشد استعادة دولته المسلوبة، وبناء مستقبله المنشود، يجب على الساسة فيه أن يبينوا أن الجنوب لا يسعى إلى العداء، ولا يضمر الشرّ لجيرانه؛ بل يمدُّ يده للتعاون، ويحترم حقوق دول الجوار، ويحرص على إقامة علاقات متوازنة قائمة على المصالح المشتركة، واحترام السيادة، وصون حقوق الإنسان والحريات العامة، بعيدًا عن أي شكل من أشكال الوصاية أو الإملاء الخارجي أو التبعية العمياء؛ إذ من حق الأشقاء الاطمئنان إلى الجار، ومعرفة توجهه، وبيان حقيقته؛ ليطمئن لك، ويأمن بوائقك، فيكسب تأييدهم، ويشبّك معهم علاقاته، ولا يحصل ذلك إلا بالتقارب معهم، وبيان نواياك تجاههم، سلوك الخطاب الإعلامي المعتدل تجاههم لتخفيف حدة التوتر، واتخاذ الدهاء الدبلوماسي الحصيف المعتدل.
إن طيّ صفحات الماضي المؤلم لا يعني نسيانه وحسب؛ بل يعني استخلاص العبر منه، والانطلاق نحو أفقٍ جديد، تُبنى فيه دولة حقيقية، عادلة، هادئة، مستقرة، وآمنة، دولة لا تُقصي أبناءها، ولا تُكافئ الفاشل، ولا تجرّب المجرب، ولا تعيد تدوير النفايات، ولا تُقدّس السلاح؛ بل تُعلي من شأن الإنسان وفكره، وتضع التنمية المستدامة في صدارة أولوياتها، وتولي أمرها الكفء الصالح؛ ليحيا المواطن الجنوبي بكرامة على أرضه، بعد سنواتٍ طويلة من المعاناة والتجويع والإقصاء.
وخلاصة القول: إن الجنوب اليوم أمام منعطف تاريخي: إما أن ينتصر لصوت العقل والإيمان، ويختار طريق الحكمة والوسطية، أو أن يبدد قضيته في صراعات داخلية الكل فيها خاسر، وإن رأى أنه المنتصر، فلا منتصر فيها إلا الأعداء، الذين يلبسون لك ثوب الصداقة الزائف، ويضمرون لك ما يضمره الكافر للمؤمن.
إن الكلمة الصادقة، حين تخرج من القلب، قادرة على أن تجمع ما فرّقته السياسة، وأن تمهّد الطريق لوطنٍ يستحقه أبناؤه المنهكون المتعبون من جراحات الحروب، ومآسي الصراعات والفتن اللعينة، التي لا تنتهي.
إني وقد بلغ عمري الخمسين ونيفا من السنين، مررت بسبعة حروب، ما أن أخرج من حرب حتى أدلج في الأخرى، وما أن أتوهّم أنها الأخيرة حتى تأتي التي بعدها. فيا أيها العقلاء أما آن لجسدي المنهك أن يستريح، ولقلبي المرعوب أن يطمئن، آلا أستحق وأمثالي وكل أبناء هذا الوطن، أن ننام بلا خوف، وأصحو بلا توجُّس، ونطمئن على أبنائنا وبناتنا وأحفادنا وأسباطنا ومستقبلهم، وننعم براحة البال ونطمئن على المال والعيال في وطن آمن مستقر مسالم يسوده العدل والإيمان.
بالله عليكم أما آن لنا ذلك أما آن!!!!!
الأمر ذلك ليس ببعيد إن جعلتم الله حسيبكم، والقرآن دستوركم، والآخرة نصبَ أعينكم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
الأحد 11/01/2026م
د. عادل النمري