مقتل خبير المسيّرات في القاعدة بمأرب.. ضربة تقلّص تهديد التنظيم على الجنوب

النقابي الجنوبي/خاص
في تطور أمني لافت، نفّذت طائرة أمريكية من دون طيار، غارة جوية دقيقة، يوم الثلاثاء 23 ديسمبر 2025، استهدفت قياديًا بارزًا في تنظيم القاعدة شرق محافظة مأرب، ما أسفر عن مقتله مع عدد من مرافقيه، وفق ما أفادت به مصادر محلية متطابقة. ووقعت الغارة في وادي عبيدة، إحدى المناطق التي ظلّت خلال السنوات الماضية مسرحًا لنشاط التنظيم، مستفيدين من الطبيعة الجغرافية الوعرة وتشابك النفوذ المسلح.
وبحسب المصادر، استهدفت الضربة بشكل مباشر كمال الصنعاني أثناء تحركه، وأسفرت عن مقتله على الفور مع مرافقيه، دون تسجيل إصابات بين المدنيين في محيط الاستهداف. وتعكس دقة التنفيذ مستوى عاليًا من الرصد والمتابعة لتحركات الهدف، ما يشير إلى عملية استخباراتية سبقت الضربة بوقت كافٍ.
ويُعد كمال الصنعاني من الأسماء الثقيلة داخل تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، إذ ارتبط اسمه خلال السنوات الأخيرة بالعمل التقني المرتبط بالطائرات المسيّرة والمواد المتفجرة. وتصفه مصادر مطلعة بأنه أحد أبرز الخبراء الذين اعتمد عليهم التنظيم في تطوير وسائل قتالية بديلة، في ظل الضربات المتتالية التي طالت قياداته الميدانية وتراجُع قدرته على تنفيذ هجمات تقليدية واسعة.
وتكمن أهمية الصنعاني في كونه لم يكن عنصرًا تنفيذيًا فحسب، بل حلقة تقنية ساهمت في نقل المعرفة وتدريب عناصر أخرى على تصنيع المتفجرات وتكييف الطائرات المسيّرة لأغراض عسكرية. لذلك، يُنظر إلى مقتله بوصفه خسارة نوعية للتنظيم الذي يعاني أصلًا نقصًا متزايدًا في الكوادر المؤهلة، بفعل الاستهدافات الجوية والانقسامات الداخلية وتضييق مسارات التدريب.
في هذا الإطار، ترى مصادر أمنية أن توقيت الغارة لا ينفصل عن مخاوف متزايدة لدى الولايات المتحدة من محاولات التنظيم إعادة بناء قدراته، لا سيما بعد حصوله على طائرات مسيّرة ومعدات عسكرية من مخازن تابعة للجيش اليمني، في سياق معقّد من الفوضى وتداخل المصالح. وتشير هذه المصادر إلى أن المعلومات المتوفرة لدى الجانب الأمريكي حول هذا التطور لعبت دورًا حاسمًا في تسريع قرار الاستهداف، خشية انتقال التنظيم إلى مرحلة أكثر تطورًا في استخدام التكنولوجيا العسكرية.
وتشير معطيات ميدانية إلى أن محافظة مأرب، ولا سيما وادي عبيدة، مثّلت خلال السنوات الماضية بيئة حاضنة لنشاط تنظيم القاعدة، مستفيدًا من تشابك عوامل قبلية وسياسية مكّنته من ترسيخ وجوده بعيدًا عن الضغوط المباشرة. وتؤكد مصادر مطلعة أن هذا الحضور لم يكن معزولًا عن نفوذ حزب الإصلاح، الذي يسيطر على مفاصل أمنية وعسكرية في المحافظة، ما وفّر للتنظيم هامش حركة أوسع وغطاءً غير معلن سمح له باستخدام المنطقة كنقطة انطلاق وتخزين وإعادة تموضع.
ولا تُفهم هذه العلاقة بوصفها تنسيقًا معلنًا بقدر ما تُقرأ في إطار تقاطع مصالح ظرفي، أتاح للتنظيم الاستفادة من حالة الفوضى الأمنية وتعدد مراكز القرار. هذا الواقع جعل من وادي عبيدة ساحة مفضّلة لتحركات قيادات القاعدة، ومكانًا مناسبًا لتطوير قدراتها التقنية، وهو ما يفسّر التركيز الاستخباراتي على شخصيات بعينها، وفي مقدمتها كمال الصنعاني.
وتتجاوز تداعيات نشاط القاعدة في مأرب حدود المحافظة، إذ يشكّل التنظيم تهديدًا مباشرًا للقوات الجنوبية في محافظتي أبين وشبوة. فقد شنّ خلال الفترة الماضية هجمات دامية أوقعت خسائر بشرية وأربكت المشهد الأمني، مستفيدًا من القرب الجغرافي بين مأرب وشبوة وسهولة التنقل عبر خطوط تماس رخوة. وترى مصادر أمنية جنوبية أن هذا الامتداد العملياتي ما كان ليأخذ هذا الزخم لولا بقاء مأرب كقاعدة خلفية آمنة نسبيًا للتنظيم.
ويُنظر إلى هذا التهديد في سياق صراع أوسع، حيث تستهدف القاعدة خصومًا مشتركين، في مقدمتهم القوات الجنوبية، مستثمرة التناقضات السياسية والعسكرية القائمة. وقد دفع ذلك إلى تكثيف الجهود الأمنية في أبين وشبوة، وإحباط عدد من الهجمات قبل تنفيذها، في وقت لا يزال فيه التنظيم يسعى إلى استعادة زمام المبادرة.
وتبرز الطائرات المسيّرة كأحد أخطر الأدوات التي اعتمد عليها التنظيم مؤخرًا في هجماته ضد القوات الجنوبية. وتشير معلومات ميدانية إلى أن القاعدة استفادت من خبرات تدريبية وتقنيات طُوّرت في سياقات إقليمية مختلفة، واستخدمت مسيّرات قصيرة المدى لاستهداف مواقع عسكرية ونقاط تجمع. وفي هذا الإطار، تُعد خبرة الصنعاني عنصرًا محوريًا في هذا التحول، ما يضفي على مقتله بعدًا يتجاوز الضربة التكتيكية المباشرة.
في محافظة شبوة، أحبطت القوات الجنوبية خلال ديسمبر 2025 عدة هجمات نفّذتها مسيّرات تابعة للتنظيم، وأسفرت إحدى تلك الهجمات عن مقتل جندي وإصابة آخرين، ضمن سلسلة تجاوزت ثلاثين محاولة استهداف في النصف الأول من العام نفسه. ويُعتقد أن القرب من وادي عبيدة أتاح للتنظيم تخزين هذه المسيّرات وإطلاقها من مناطق يصعب رصدها.
أما في أبين، فقد شهدت المحافظة هجمات متكررة شملت استخدام المسيّرات والسيارات المفخخة، وأسفرت إحداها في أكتوبر 2025 عن مقتل أربعة جنود جنوبيين، مقابل مقتل ستة من عناصر التنظيم. وعلى الرغم من نجاح القوات الجنوبية سابقًا في طرد القاعدة من مناطق واسعة، فإن التنظيم عاد مستفيدًا من الدعم القبلي والعمق الجغرافي القادم من مأرب.
من زاوية أوسع، تعكس الغارة استمرار النهج الأمريكي القائم على الضربات الدقيقة ضد أهداف محددة، مع التركيز على استهداف العقول المدبّرة والخبرات التقنية بدل الانخراط العسكري المباشر. ويهدف هذا الأسلوب إلى تقليص قدرات التنظيمات المصنّفة إرهابية والحد من قدرتها على التطور، دون إحداث فراغات أمنية واسعة.
في المحصلة، تمثل الغارة أهمية مضاعفة، ليس فقط لكونها خسارة بشرية للتنظيم، بل لأنها تضرب أحد العقول التي ساهمت في تطوير أدوات الهجوم غير التقليدية. ويرى مراقبون أن غيابه سيحدّ من قدرة القاعدة على تنفيذ هجمات معقّدة في المدى المنظور، خصوصًا تلك المرتبطة بالطيران المسيّر، وإن كان ذلك لا يعني زوال التهديد بالكامل في ظل استمرار العوامل التي سمحت للتنظيم بالحركة. وبينما تمثل الغارة رسالة واضحة باستمرار المراقبة الدقيقة لتحركات القاعدة في اليمن، يبقى المشهد الأمني مرهونًا بقدرة القوى الفاعلة على تجفيف البيئات التي تمنح التنظيم فرص البقاء وإعادة التشكل، مع التركيز على حماية الجنوب من أي تهديد محتمل، وضمان عدم تكرار استخدام مأرب كقاعدة خلفية.