اختار أن يكون صوت الجنوب، لا صداه

ذياب الحسيني
في زمنٍ تتقاطع فيه المصالح وتُباع فيه الأوطان على موائد الصفقات، ينهض رجلٌ من رماد الخيبات، ليقول “لا” حيث اعتاد الجميع على الانحناء. الرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي، لم يكن يومًا رقماً في معادلات التبعية، بل كان وما يزال معادلةً بحد ذاته، عصيّة على الترويض، منيعة على الابتزاز، لا تُشترى مواقفه، ولا تُستدرج بوصلته.
الخشعة، تلك البقعة الجغرافية التي تخفي تحت رمالها أكبر حقل نفطي وأضخم مخزون ذهبي في اليمن، تحوّلت إلى محور صراع إقليمي، ومسرحٍ لمساوماتٍ تتجاوز حدود الجغرافيا وتخترق جدران السيادة. هناك، حيث أرادت قوى النفوذ أن تُسلمها على طبقٍ من ذهب لمليشيات الحوثي، كتعويضٍ عن حربٍ دامت عقدًا من الزمن، وقف الزُبيدي وحده، شامخًا كجبل العر، رافضًا التوقيع على عريضة التنازل، مدركًا أن التنازل عن الخشعة هو التنازل عن الجنوب بأكمله.
رفض الزُبيدي لم يكن مجرّد موقف، بل كان إعلانًا صريحًا بأن الجنوب ليس سلعةً في بازار المصالح، ولا ممرًا لتسوياتٍ مشبوهة. فكان الرد سريعًا: قصفٌ على الضالع، وإخراجٌ للقوات الجنوبية من حضرموت، ومحاولاتٌ ممنهجة لتشويه المجلس الانتقالي الجنوبي ووصمه بالمليشياوية، في مشهدٍ يعكس حجم الغضب من قائدٍ لم يخضع، ولم يساوم، ولم يبع.
وما زاد الطين بلة، أن النخب الشمالية، التي اعتادت الصمت أمام سطوة الحوثي، توحدت فجأة في هجومٍ ممنهج على الجنوب وقيادته، متناسيةً أن الشمال لا يزال مرتهنًا في قبضة الكهنوت، وأن من يقف اليوم في وجه المشروع الإيراني في الجنوب هو ذات الرجل الذي قاتلت قواته في أغلب جبهات الشمال، وفتح أبواب عدن أمام التحالف و القيادات الشمالية الفارة من صنعاء التي تترنح تحت سيطرة الحوثي.
إن ما يحدث اليوم ليس سوى محاولة يائسة لإخضاع الجنوب، وكسر إرادة شعبه، وتصفية مشروعه الوطني التحرري. لكنهم تناسوا أن الجنوب قد أنجب رجالًا من طراز الزُبيدي، لا يبيعون الأرض، ولا يفرّطون بالكرامة، ولا يوقعون على صكوك الاستسلام، ولو اجتمعت عليهم قوى الأرض.
في معركة المصير، لا مكان للرماديين، ولا للمتلونين، ولا للمتاجرين بالدماء. وحده من يحمل مشروعًا وطنيًا خالصًا، ويقف على أرضٍ صلبة من المبادئ، من يستحق أن يُكتب اسمه في سفر التاريخ. والزُبيدي، هو ذلك الاسم الذي لن يُمحى، لأنه اختار أن يكون صوت الجنوب، لا صداه.