قراءة في الدلالات السياسية لبيان المجلس الانتقالي الجنوبي حول الدعوة السعودية للحوار

د. علي البحر
بيان المجلس الانتقالي الجنوبي يعكس مقاربة سياسية مركبة تجمع بين التهدئة المحسوبة وتثبيت الثوابت الوطنية الجنوبية، في لحظة شديدة الحساسية أعقبت عدواناً عسكرياً مباشراً على محافظة حضرموت.
ويمكن قراءة البيان من خلال عدد من الدلالات الأساسية أهمها:
أولاً: الفصل بين الفعل العسكري والمسار السياسي:
حرص المجلس على التمييز بين العدوان على الأرض وبين الدعوة السعودية لرعاية حوار جنوبي، بما يؤكد نضجاً سياسياً يسعى إلى عدم إغلاق مسارات الحل، رغم خطورة ما جرى ميدانياً.
هذا الفصل يمنع الانزلاق إلى ردود فعل انفعالية، ويبقي الباب مفتوحاً أمام معالجة سياسية شاملة.
ثانياً: تثبيت خيار الحوار كمنهج استراتيجي لا ظرفي:
البيان لم يقدم الترحيب بالحوار كتنازل أو استجابة طارئة، بل ربطه بسياق ممتد منذ تأسيس المجلس، مستشهداً بمحطات واضحة (اتفاق الرياض، مشاورات 2022، الحوار الجنوبي الشامل 2023).
وهذا يؤكد أن الحوار خيار مبدئي للمجلس، لا أداة تكتيكية.
ثالثاً: توظيف الرعاية السعودية ضمن إطار جنوبي مستقل:
رغم الترحيب بالرعاية السعودية، شدد المجلس على أن أي حوار يجب أن يكون جنوبياً في مضمونه وأهدافه، منطلقاً من قضية شعب الجنوب، لا من ترتيبات مفروضة أو حلول جزئية.
وهنا يبعث المجلس برسالة مزدوجة مفادها: قبول الرعاية لا يعني التفريط بالإرادة.
رابعاً: ربط الحوار بالإعلان السياسي 2 يناير 2026م:
إحالة البيان إلى الإعلان السياسي الصادر في 2 يناير 2026م تؤكد أن المجلس يتعامل مع الحوار باعتباره امتداداً لمسار سياسي مُعلن، لا بديلاً عنه.
وهذا يعزز شرعية الموقف الجنوبي داخلياً وخارجياً.
خامساً: وضع محددات واضحة لأي حوار جاد:
البيان رسم خطوط حمراء واضحة ومنها:
ـ الاعتراف بإرادة شعب الجنوب
ـ إطار زمني محدد
ـ ضمانات إقليمية ودولية
ـ الاستفتاء الشعبي كفيصل نهائي
وهذه المحددات تنقل المجلس الانتقالي من موقع “المشارك في الحوار” إلى موقع “صاحب مشروع سياسي متكامل”.
خلاصة القراءة:
البيان يوازن بذكاء بين المرونة السياسية والصلابة الوطنية، ويرسل رسالة مفادها أن الجنوب لا يرفض الحوار، لكنه يرفض أن يكون الحوار غطاءً لتجاوز إرادته أو شرعنة الاعتداء عليه.
إنه بيان يكرس الجنوب طرفاً سياسياً ناضجاً، لا ساحة مفتوحة ولا ملفاً مؤجلاً.