اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

الحوار الجنوبي في الرياض… التفاف على الاتفاق ومحاولة لإعادة تشكيل المشهد

الصحفي صالح حقروص

إن الدعوة إلى عقد حوار جنوبي في الرياض لا يمكن فصلها عن السياق السياسي والعسكري القائم، ولا يمكن قراءتها إلا باعتبارها محاولة واضحة للالتفاف على اتفاق الرياض وإفراغه من مضمونه، لا استكمالًا له ولا تصحيحًا لمساره. فالاتفاق لم يفشل لأنه غير قابل للتنفيذ، بل لأنه لم يُنفذ أصلًا.
فلو تم تنفيذ اتفاق الرياض الموقع في نوفمبر 2019 كما نُصّ عليه، لما وصلت الأوضاع اليوم إلى هذا المستوى من التصعيد. إذ ينص الاتفاق صراحة على إعادة انتشار القوات الجنوبية في محافظات حضرموت والمهرة وشبوة منذ عام 2019، وهو ما لم يحدث طوال أكثر من ست سنوات، رغم أن السعودية كانت الراعي والضامن لتنفيذ بنوده.

المفارقة الصارخة اليوم أن القوات الجنوبية التي نص الاتفاق على نشرها سلميًا قبل سنوات، تُقصف الآن بالطيران، ويُطالب بإخراجها بالقوة العسكرية من حضرموت، فقط لأنها فرضت تنفيذ ما كان ينبغي أن يتم سياسيًا وبضمانة رسمية. وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يتحول تنفيذ نصوص اتفاقٍ مضمون إلى مبرر للعقاب العسكري؟

الأخطر من ذلك أن ما يجري يمثل انتهاكًا صريحًا لاتفاق الرياض، الذي ينص بوضوح على خروج القوات الشمالية من محافظات حضرموت والمهرة وشبوة، ونقلها إلى محافظة مأرب لمواجهة الحوثيين وتحرير العاصمة صنعاء، على أن تُسلّم مواقعها العسكرية لقوات المجلس الانتقالي الجنوبي. ولو تم الالتزام بهذا البند في حينه، لما شهدت هذه المحافظات ما تشهده اليوم من صراع وتوتر.

ناهيك عن أن الدعوة إلى الحوار الجنوبي في الرياض تبدو وكأنها تأتي في سياق محاولة إخراج المجلس الانتقالي الجنوبي من المشهد السياسي، وإيجاد بدائل مصطنعة له، في وقت كان فيه المجلس هو الممثل السياسي والعسكري الأبرز للجنوب، وهو الطرف الذي وُقّع معه اتفاق الرياض أصلًا، إلى جانب الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وبضمانة سعودية مباشرة. فكيف يمكن القفز على طرف شريك في اتفاق لا يزال قائمًا نظريًا، واستبداله بحوار جديد يتجاوز شرعيته ودوره؟
بدلًا من تنفيذ الاتفاق، جرى تعطيله ثم الالتفاف عليه، وصولًا إلى محاولة استبداله بحوارات جديدة، وكأن المشكلة كانت في النصوص لا في الإرادة السياسية لتنفيذها. والحقيقة أن أي حوار يُطرح دون تنفيذ الاتفاقات السابقة، ودون تحديد المسؤوليات عن إفشالها، لن يكون سوى حلقة إضافية في سلسلة إدارة الأزمة لا حلّها.

إن ما يحدث اليوم لا ينسف اتفاق الرياض فحسب، بل يقوض الثقة بأي رعاية أو ضمانة مستقبلية. فالاتفاقات لا تُقاس بجمال صياغتها، بل بمدى الالتزام بها، وأي مسار سياسي لا يحترم تعهداته السابقة محكوم عليه بالفشل، مهما تغيرت عناوينه أو أماكن انعقاده.

ختامًا، فإن المشكلة لم تكن يومًا في غياب الحوار، بل في غياب الالتزام. ومن دون الاعتراف بهذه الحقيقة، سيظل الجنوب يدفع ثمن اتفاقات لم تُنفذ، وحوارات يُراد لها أن تعيد ترتيب المشهد لا أن تحل الأزمة

زر الذهاب إلى الأعلى