اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.
تحقيقات

إثر مخطط ترامب تهجير الفلسطينيين وطردهم من قطاع غزة.. تساؤلات عن طبيعة خيارات قادة الدول العربية للتعامل معه

النقابي الجنوبي/خاص

من أقدم المدن التي عرفها التاريخ. إنها ليست بنت قرن من القرون، أو وليدة عصر من العصور، وإنما هي بنت الأجيال المنصرمة كلها، ورفيقة العصور الفائتة كلها، من اليوم الذي سطر التاريخ فيه صحائفه الأولى إلى يومنا هذا”.

كانت تلك الكلمات للمؤرخ الفلسطيني المقدسيّ عارف العارف، عن مدينة غزة، في كتاب صدر عام 1943، ضم فيه كل ما تحتوي فيه هذه المدينة الساحلية في المؤلفات العربية والإنجليزية والفرنسية والتركية.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رجل العقارات يرى أنقاض غزة دولارات وصرح يوم السبت 25 يناير بفكرة نقل سكان غزة إلى مصر والأردن.

مخطط ترامب واجه رفضا فلسطينيا وعربيا ودوليا واسعا ويضع حوله جملة من التساؤلات..

لماذا اختيار الإعلان عن الخطة في هذا التوقيت؟
وما خيارات الدول العربية للتعامل مع خطة ترامب؟
هل يمضي ترامب قدما في خطته رغم الانتقادات العربية والدولية؟

أثارت تصريحات ترامب الأخيرة موجة التكهنات في الساحة العراقية، إذ عاد الحديث عن خطة (أمريكية – إسرائيلية) لإسكان 750 ألف فلسطيني في صحراء محافظة الأنبار غرب العراق بالتنسيق مع الأردن.

وأشارت مصادر صحافية إلى وثيقة مسربة من وزارة الاستخبارات الإسرائيلية تعود إلى أكتوبر 2023، عن مخطط تل أبيب لتهجير سكان قطاع غزة إلى مصر، وبالتوازي، كشفت مصادر صحافية عن موافقة قيادات سياسية عراقية سنية، على خطة لتوطين سكان الضفة الغربية في محافظة الأنبار العراقية، مقابل الحصول على دعم لإنشاء إقليم سني في العراق.

يسعى ترامب لإلقاء الكرة في ملعب شركاءه في الشرق الأوسط، بالتلويح بإمكانية قطع المساعدات الأمريكية عن الأردن ومصر، في حال رفضهما خطته لتفريغ غزة وتسليمها أرضا فارغة لليمينيين الإسرائيليين.

أثارت هذه التصريحات غضب الفلسطينيين وأزعجت أنصار حل الدولتين وهناك مخاوف بين الفلسطينيين من أن أولئك المحيطين بالرئيس ترامب سيدفعونه باتجاه أكثر تطرفا عندما يتعلق الأمر بالسياسة في الشرق الأوسط.

لم تعد مواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتطابقة مع طموحات اليمين الإسرائيلي المتطرف مستغربة. فبعد اعترافه بالقدس عاصمة تاريخية للكيان الصهيوني وإطلاقه «اتفاقات أبراهام» وما نتج عنها، مما بات يعرف اعلاميا بـ«صفقة القرن» وتعيينه صهره جاريد كوشنر عرابا لحملة تطبيع الدول العربية مع الكيان الصهيوني عبر سياسة «السلام من أجل الرخاء». كل تلك الخطوات بدت وكأنها مقدمات لتصريحات ترامب الأخيرة حول تفريغ قطاع غزة من سكانه.

رؤية ترامب للشرق الأوسط هي مجرد صفقة عقارية كبرى تعكس نقصاً في الفهم السياسي والواقع الجيوسياسي للمنطقة فالنتيجة الحقيقية لهذه الخطة لم تكن سوى توحيد الموقف العربي ضد أي فكرة لاستيعاب الفلسطينيين في الدول المجاورة.

إلى ذلك عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اقتراحا استفزازيا بإنشاء دولة فلسطينية على أراضٍ سعودية مع أن السعودية لم ولن تتخلى عن الفلسطينيين، نظراً لمكانتها كحاضنة لأقدس المواقع الإسلامية.

وفي هذا الشأن وجه الأمير ⁧‫تركي الفيصل‬⁩ في صحيفة ذا ناشيونال رسالة لترامب‬⁩ قال فيها:

‏”عزيزي الرئيس ترامب،
‏الشعب الفلسطيني ليس مهاجراً غير شرعي ليتم ترحيله إلى أراضٍ أخرى.
‏فالأراضي هي أراضيهم والبيوت التي هدمتها إسرائيل هي بيوتهم، وسيعيدون بناءها كما فعلوا بعد الهجمات الإسرائيلية السابقة عليهم.

‏معظم سكان غزة لاجئون، طُردوا من منازلهم في ما يُعرف الآن بإسرائيل والضفة الغربية بسبب الهجوم الإسرائيلي الإبادي السابق عليهم في حربي 1948 و1967. وإذا كان من المقرر نقلهم من غزة، فيجب السماح لهم بالعودة إلى منازلهم.
‏وبساتين البرتقال والزيتون في حيفا ويافا والمدن والقرى الأخرى التي فروا منها أو طردوا منها بالقوة من قبل الإسرائيليين”.

في ضوء ذلك أصدرت السعودية بيانا تُثمن فيه دور الدول الشقيقة من شجب واستهجان ورفض تام حيال تصريح نتنياهو

في غضون ذلك حذر مسؤولون عرب من أن خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسيطرة على غزة وإعادة توطين سكانها، والتي قوبلت بتنديد دولي، من شأنها أن تهدد وقف إطلاق النار الهش في القطاع، وتفاقم حالة عدم الاستقرار بالمنطقة.

وأكد الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط رفض أي خطط لتهجير الفلسطينيين من أرضهم محذرا من أن ضغوط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تقود الشرق الأوسط إلى “خلاف شديد”، وستسبب “أزمة دولية”.

وقال أبو الغيط خلال حوار ضمن فعاليات القمة العالمية للحكومات 2025 في دبي: “نرفض أي خطط لإخلاء الأراضي الفلسطينية من سكانها ويجب تحقيق تسوية مقبولة بين الطرفين”.

وأضاف: “إذا مضى ترامب في الضغط على الأطراف العربية والفلسطينية فإنه يقود الشرق الأوسط إلى دورة جديدة من الخلاف الشديد”.

وأوضح أن “مخطط تهجير الفلسطينيين سيتسبب في مشكلة للعالم بأسره، فهو ليس فقط ظلما لا يمكن أن يتحمله التطور الإنساني بل سيصير مشكلة وأزمة دولية”.

وأشار أبو الغيط إلى أن المخطط “سيصبح سابقة خطيرة للتطهير العرقي يمكن أن تحدث في أي بقعة في العالم ومع شعوب أخرى”.

من جانبه دعا جاسم البديوي، أمين عام مجلس التعاون الخليجي ترامب إلى تذكر العلاقات القوية بين المنطقة وواشنطن.

وأضاف البديوي أن “هناك ثوابت واضحة فيما يخص القضية الفلسطينية… والكلام أخذ وعطا… هو يقول رأيه والعالم العربي يقول رأيه.. عندك صفقة لن يقبلها العالم العربي”.

يأتي هذا في وقت أكد ملك الأردن عبد الله الثاني والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي “وحدة الموقف المصري والأردني” بشأن قطاع غزة، المتمثل في “أهمية بدء عملية إعادة إعمار قطاع غزة بشكل فوري دون تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه”.

وخلال اتصال هاتفي جمع الرئيسين عقب لقاء الملك الأردني بالرئيس الأمريكي في واشنطن، أكد الجانبان “إدامة التنسيق بما يضمن نيل الشعب الفلسطيني كامل حقوقه المشروعة”، وضرورة تثبيت وقف إطلاق النار في غزة، ومضاعفة المساعدات الإغاثية وضمان تدفقها إلى كل المناطق بحسب بيان للديوان الملكي الأردني.

وقوبلت خطة ترامب برفض عربي واسع، حيث أصدرت كل من السعودية، والإمارات، وقطر، ومصر، والأردن، والسلطة الفلسطينية بياناً مشتركاً يعارض بقوة هذا الطرح..

اصطدم اقتراح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهجير سكان غزة إلى إحدى الدول العربية بغضب شعبي عربي وجبهة عربية موحدة رافضة الفكرة حتى وإن كان أحد أسباب الرفض لدى بعض قادة الدول تحمل مسؤولية استيعابهم وفق رؤية البعض.

ويرى مراقبون أن الشرق الأوسط اليوم لم يعد كما كان سابقا عندما كانت الدول العربية تسعى إلى توحيد مواقفها سياسياً بعد حرب 1967، وأصبحت القضية الفلسطينية مجرد ورقة سياسية تستخدم لحشد الجماهير دون وجود رغبة حقيقية في حل قضيتهم جذرياً.

وأعلنت مصر، الثلاثاء 11 فبراير/شباط، عزمها طرح تصور لإعادة إعمار قطاع غزة يضمن بقاء الشعب الفلسطيني على أرضه وبما يتسق مع حقوقه الشرعية والقانونية.

وأشادت حركة حماس بما وصفتها “المواقف الثابتة” للأردن ومصر، “بعد رفضهما أي محاولات لتهجير الشعب الفلسطيني”، وتأكيد البلدين وجود خطة عربية لإعادة إعمار قطاع غزة دون المساس بحقوق سكانه.

يفسر البعض ما يجري بأنه قد لا يكون مجرد خطة لإعادة الإعمار إنما إعادة هندسة للمنطقة تهدف إلى تحييد المقاومة وتقويض المشروع الوطني الفلسطيني وتحويل القضية إلى مجرد “مشروع تنموي” تحت إشراف إقليمي.

وكان الرئيس دونالد ترامب أعلن أن بلاده ستمنح البلدان العربية فرصة للتوصل إلى خطة بديلة بشأن غزة بعد رفضها.

هذا وتستعد القاهرة لاستضافة قمة عربية طارئة في 27 فبراير الجاري وسط منعطف تاريخي تشهده القضية الفلسطينية تتزايد فيه التحذيرات من خطط أمريكية – إسرائيلية تسعى إلى إفراغ القطاع من سكانه، ما يضع الدول العربية أمام اختبار صعب لكيفية التعامل مع التحديات التي تهدد حقوق الفلسطينيين والأمن الإقليمي.

ويرى محللون أن الوضع الراهن يحتاج إلى قرارات من القادة العرب وليس بيانات “شجب وإدانة” طالما أن الرئيس الأمريكي “يتصور أن بإمكانه فرض قرارات تحدد مصير العالم” مشيرين إلى أن من بين الخيارات المتاحة أمام العرب التلويح بتعليق الاتفاق الإبراهيمي مع إسرائيل وسحب سفراء الدول العربية لدى إسرائيل بعد تلويح مصر بإمكانية تعليقها اتفاقية السلام مع إسرائيل.

زر الذهاب إلى الأعلى