اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

صالح ابو عوذل يكتب: «مرافعة جنوبية».. الإرادة لا تُقصف والجنوب العربي دولة لا تقبل التجزئة

صالح ابو عوذل يكتب: «مرافعة جنوبية».. الإرادة لا تُقصف والجنوب العربي دولة لا تقبل التجزئة

صالح ابو عوذل

يكتبها: #صالح_أبوعوذل
التهديد المستمر منذ أيام، والذي تصاعد خلال يومي (الجمعة والسبت)، بضرب القوات الجنوبية في حضرموت والمهرة، هذا التصعيد المتهور لا يدل على شيء بقدر ما يعكس عقلية الهيمنة والوصاية؛ مستخدما لغة ومبررات من نوع “نحن حررناكم، نحن ساعدناكم بشوال تمر، نحن لدينا مليونان من المغتربين، ونحن من نصرف “إعاشة للمسؤولين اليمنيين”.

وأنا أقرأ بعض التصريحات صباحاً، تذكّرت مقالة كتبتها في العام 2015 بعنوان “سياسة الدفاع عن الوحدة وممارسة الانفصال”. يومها كان اليمن، بالنسبة لهم منذ الستينات، يُختزل في “قبائل حاشد وبكيل”، وكانت كل الحروب تُخاض لحماية هذا التوازن. لكن ماذا حصل في حاشد وبكيل؟ سلّمتا للحوثيين وأعلنتا الولاء لإيران.

اليوم تغيّرت اللغة مع الجنوبيين، لكن بسردية لا تنطلي على أحد: “نحن مع القضية الجنوبية (لكن) عليكم الانسحاب من بلادكم”.
الاعتراف بالقضية الجنوبية يحتم الاعتراف بحدودها، وحدودها واضحة بـ 21 مايو 1994، يوم أعلن شريك التوقيع على اتفاقية الوحدة اليمنية، علي سالم البيض، فك الارتباط. فعلى أي أساس تريد الدفاع عن “وحدة يمنية” فُرضت بالحرب واستُخدم فيها الإرهاب، بينما من وقّع عليها أعلن فضّها؟.
أنت لا تعترف بالقضية الجنوبية، بل تراوغ لتحصل على أرض جديدة، وتعيد إنتاج سياسة “الضم والإلحاق” التي مارسها النظام اليمني، وهدّد بها الناس بشعار “الوحدة أو الموت”.. اليوم تتكرر السياسة ذاتها، ولكن بصيغة جديدة: سياسة القضم والإرهاب.

وطالما تصر على استدعاء الشرعية التاريخية (الوحدة اليمنية)، فدعني أذكّرك بمن وقّع عليها.. علي سالم البيض أعلن فك الارتباط من المكلا في 21 مايو 1994، أي أن شريك الوحدة قد فضّ الشراكة سياسياً.. فهل من المعقول أن تصر على فرض مشروع أعلن صاحبه الانسحاب منه؟.

هذه هي السردية التي يفترض أن تؤمن بها أولاً، لا أن تُسوّقها للآخرين. لا أن تحاول إقناع شاب في الأربعينات، عاش ثلاثة أرباع عمره مواطنا من الدرجة الثانية، تحت احتلال يمني غاشم صادر حقه في التعليم والعمل والحياة، فصار انفصاليا بالخبرة والمعايشة، حتى لو لم يرفع الشعار علنا.

السردية التي ينبغي أن تؤمن بها قبل التفكير في تهديد الجنوبيين وضرب بلادهم هي أن مشروع الوحدة اليمنية لم يعد له وجود فعلي. فبدل الحديث عن إنصاف القضية الجنوبية، فُرض رئيس يمني شمالي على الجنوب باسم “المناطق المحررة”، وهو لا يمتلك أي حضور حقيقي على الأرض.

الحديث عن تحرير الجنوب يجب أن يُقال كما هو: الناس خرجت وقاتلت وحررت الجنوب قبل دخول عاصفة الحزم بأسبوعين، وأسقطت قاعدة الصولبان في عدن، ودافعت عن مكيراس ولودر ويافع والضالع وكرش، قبل أي تدخل عسكري مباشر.

وحين يُعاد تدوير السردية من نقطة 2015، عاصفة الحزم وإعادة الأمل، والحديث عن “صاحب التفويض”، يجب التأكيد أن الناس في الجنوب العربي لم تقاتل نيابة عن أحد، بل تحت مظلة مشروع وطني واضح اسمه “المقاومة الجنوبية”، وهو الاسم الذي اعترفت به أنت في إعلامك، وظللت تشيد به ليلاً ونهاراً.

أختلف معك جذريا في توصيف “التحرير الجنوبي” بوصفه جزءا من مشروع الدولة اليمنية. هذا توصيف غير دقيق.. التحرير كان مشروعًا جنوبياً خالصاً، خيض تحت راية الجنوب العربي، لا تحت راية دولة سقطت سياسيًا وعسكريًا في 21 سبتمبر 2014. ولولا المشروع الجنوبي وأرضيته الصلبة، لما تحققت أي انتصارات تُذكر. والسؤال البديهي: أين كانت، وأين هي، انتصارات حلفائك المحليين في مأرب وتعز؟

الجنوب العربي قضية وطنية سقفها الاستقلال، وما دون ذلك مشاريع أمنية وتفاهمات لحفظ الأمن للجميع.. الجنوب لا يمتلك صواريخ بالستية، ولا يهدد حدود أي بلد. الجنوب إرادة وطنية حيّة، ومشروع دولة استقلال لم يعد وعدا قادما، بل أصبح واقعا قائما.

الاستدعاء الكلاسيكي للشرعية السياسية—بداية الحرب، دفع التكلفة، ومن يحدد سقف المعركة—يجب النظر إليه بعقل تحليلي لا بشعارات. بداية الحرب في الجنوب كانت فعل مقاومة حقيقي للخلاص من الاحتلال الحوثي، ووجدت حليفاً صادقاً في القوات الخاصة الإماراتية لتحقيق مكاسب واضحة.. أما التكلفة، فلم تُدفع لإنصاف القضية الجنوبية، بل دفعت لقطع القبضة الإيرانية، التي باتت اليوم، للأسف، محكمة الإغلاق على “اليمن”.

ولذلك، من الطبيعي أن يحدد أهل الأرض سقف معركتهم. لأن الاعتراف بالقضية الجنوبية مع نزع أدواتها مسألة لا تستقيم. كيف تعترف بقضية وطنية، ثم تضع لها سقفًا ومحددات، وتلوّح باستخدام القوة إن تجاوزتها؟ أين الاعتراف في ذلك؟ وهل ما يُسمّى “سياسة العصا دون رفعها” يُعد شراكة؟ هذا ليس اعترافًا ولا شراكة، بل موضع اعتداء.

القول إن “القضية الجنوبية قضية سياسية عادلة” جملة إيجابية، نعم، لكن السؤال: من يمثلها؟ هل يمثلها عيدروس الزبيدي، وفرج البحسني، وعبدالرحمن المحرمي؟ أم رشاد العليمي؟.. الذي تقدمه اليوم كمشرعن “لقصف الجنوب العربي”؟.

التهديد بالحرب والتصعيد العسكري باسم التحالف العربي لا يمكن أن يكون وسيلة لوضع سقف لإرادة شعب. .تقول إن القضية لا تُحل بالقوة، ثم تلوّح بالقوة لمنع أهلها من اختيار طريقهم. هذا تناقض فجّ.
وإذا عدنا إلى “الوحدة اليمنية”، فمشروعيتها غير قائمة. اذهبوا إلى علي سالم البيض واطلبوا منه سحب إعلان فك الارتباط، حينها فقط يمكن إعادة فتح النقاش تحت سقف الوحدة.. الـ(وحدة عبدالملك بدر الدين).

أما إعادة إنتاج اتفاق الرياض باعتباره السقف الأعلى المسموح، فهي لا تنتقص فقط من إرادة الشعوب، بل تنسف أصل المشروعية التي تدخلت على أساسها الحرب: إعادة الشرعية إلى صنعاء وهزيمة الحوثيين. الحوثيون اليوم أصبحوا نظامًا ملكيًا في صنعاء، وربما يبدو هذا الأمر مريحًا للبعض، حتى أن بعض الكتّاب يطرح فكرة “تحول اليمن إلى نظام ملكي” دون مواربة. هنا تصبح الحاجة ملحّة لإعادة تقييم شاملة، خصوصا حين يرى اليمني الشمالي تضحياته تُقابل بإعلام يشيطن دولا عربية شقيقة. هنا لا يُفرغ الكوب، بل يسقط وينكسر.

نأتي إلى “نقل السلطة”. الحديث عن الشراكة وتمثيل الجنوبيين حجة سياسية باردة. من خلق الأزمة حين فُرض رئيس مجلس قيادة من خارج الجغرافيا المحررة؟ لماذا لم يكن فرج البحسني؟ لماذا رُشح رشاد العليمي، الذي دخل في إشكاليات حادة مع حضرموت نفسها؟ ثم أُنشئت قوات “درع الوطن” ووُضعت قيادتها تحت تصرفه. هذا تحضير لصدام داخلي خطير، وهو ما لوّح به العليمي نفسه حين تحدث عن الحرب الأهلية.

في حضرموت والمهرة، يُقال إن ما يجري “أحداث مؤسفة” و”شق للصف”. لكن من صنع هذا المسار؟ هذه المناطق كانت لسنوات ساحة مفتوحة للقاعدة وداعش والحوثيين، تُدار موانئها وبنوكها خارج الدولة

لم تكمل المقالة وسيتم نشرها تباعا

زر الذهاب إلى الأعلى