الجنوب يقاتل.. والآخرون يتفاوضون! من يطيل عمر الحرب ويعطّل استحقاقات الجنوب؟

تقرير / فاطمة اليزيدي:
تتواصل فصول الحرب اليمنية وسط مشهد سياسي بالغ التعقيد، تتداخل فيه الحسابات والمصالح، وتتكرر فيه الوعود دون أن تتحقق التسوية التي تنهي معاناة المواطنين. وبينما تتبادل الشرعية والحوثيون الاتهامات، وتظل جبهات المواجهة رهينة التجاذبات السياسية والعسكرية، يبرز الجنوب بوصفه طرفًا تحمل أعباء المواجهة وقدم تضحياتٍ جسيمةً، فيما لا تزال قضيته السياسية تنتظر استحقاقها العادل.
وفي قلب هذا المشهد، يقف المجلس الانتقالي الجنوبي أمام مسؤولية تمثيل تطلعات شعب الجنوب والدفاع عن قضيته السياسية، مستندًا إلى واقع التضحيات التي قدمتها القوات الجنوبية وأبناء الجنوب في مواجهة الحوثيين والتهديدات التي استهدفت أرضهم وأمنهم. ومن هنا تبرز أسئلة جوهرية حول مستقبل التسوية، ومدى الاعتراف بالدور الجنوبي، وما إذا كانت الأطراف المعنية بإنهاء الحرب مستعدةً فعلًا لمعالجة القضية الجنوبية بدل إبقائها معلقةً في حسابات التفاوض.
*الشرعية والحوثيون.. سنوات من الصراع وأسئلة لا تجد إجابة
رغم التناقضات العميقة بين الشرعية والحوثيين، فإن استمرار الحرب طوال هذه السنوات يفرض تساؤلاتٍ سياسيةً لا يمكن تجاهلها. فالمواجهات لم تفضِ إلى إنهاء الصراع، والمفاوضات لم تحقق اختراقًا شاملًا، فيما ظلت معاناة المواطنين تتفاقم، واستمرت الملفات السياسية الكبرى في الدوران داخل دائرة التأجيل.
إن تقاطع النتائج والمصالح الذي أفرزه هذا الواقع يفتح الباب أمام نقاش جاد حول ما إذا كانت بعض الحسابات السياسية لدى أطراف الصراع تسهم في إطالة أمد الحرب. فالمشكلة لم تعد محصورةً في تبادل الاتهامات، وإنما في غياب نتائج ملموسة تنهي حالة الاستنزاف وتضع البلاد أمام مسار سياسي واضح.
*القوات الجنوبية.. تضحيات في الميدان واستحقاقات على طاولة السياسة
لقد كان أبناء الجنوب في مقدمة المواجهة، وقدمت القوات الجنوبية تضحياتٍ كبيرةً في معارك الدفاع عن الجنوب ومواجهة الحوثيين، وهو دور لا يمكن تجاوزه عند الحديث عن مسار الحرب ومستقبل التسوية السياسية.
ومن هذا المنطلق، فإن أي مقاربة سياسية تتجاهل الدور العسكري والتضحيات الجنوبية ستكون مقاربةً ناقصةً. فالجنوب لم يكن مجرد مساحة جغرافية تدور فوقها المواجهات، بل كان طرفًا حاضرًا في صناعة واقع الميدان، ومن حقه أن يكون حاضرًا في صناعة القرار السياسي أيضًا.
*المجلس الانتقالي الجنوبي.. القضية الجنوبية ليست بندًا قابلًا للتأجيل
تظل القضية الجنوبية جوهر أي تسوية سياسية عادلة، ويظل تمثيل تطلعات أبناء الجنوب واحترام إرادتهم شرطًا أساسيًا لأي معالجة مستدامة. ومن هنا تبرز أهمية الدور السياسي للمجلس الانتقالي الجنوبي في حمل القضية الجنوبية إلى طاولة الحوار، والدفاع عن حق أبناء الجنوب في تقرير مستقبلهم السياسي.
فليس من المقبول أن تكون التضحيات الجنوبية حاضرةً عند الحديث عن المواجهات، ثم تتراجع القضية الجنوبية عند مناقشة مستقبل البلاد. كما لا يمكن أن تتحول التسويات إلى تفاهمات بين القوى المتصارعة تتجاوز مطالب الجنوب أو تختزل قضيته في ترتيبات مؤقتة.
*السلام الحقيقي يبدأ من الاعتراف بحق الجنوب
إن إنهاء الحرب لا يعني إعادة إنتاج الأزمات القديمة، ولا يعني فرض تسويات تتجاهل جذور الصراع. فالسلام الذي لا يتعامل مع القضية الجنوبية بجدية، ولا يضع تطلعات أبنائها في صلب العملية السياسية، سيظل سلامًا ناقصًا ومعرضًا لإعادة إنتاج الخلافات.
والجنوب، عبر قواه السياسية ومؤسساته وممثليه، معني بأن تكون أي تسوية قادمة قائمةً على ضماناتٍ واضحةٍ، تعترف بحقه في المشاركة وصناعة مستقبله، وتحول التضحيات التي قدمها أبناؤه إلى استحقاقات سياسية حقيقية.
*الخاتمة.. الجنوب لن يكون حاضرًا في الحرب وغائبًا عن صناعة المستقبل
لقد قدم الجنوب تضحياتٍ كبيرةً، وكانت قواته وأبناؤه في مقدمة المواجهة، ولم يعد من المقبول أن تستمر معادلة يتحمل فيها الجنوب أعباء الحرب بينما تبقى قضيته رهينة التأجيل والمساومات.
إن السؤال اليوم ليس فقط متى تنتهي الحرب، بل كيف تنتهي، ومن يضمن ألا تكون نهايتها على حساب الجنوب وقضيته وتطلعات أبنائه؟
فالجنوب الذي تحمل أعباء المواجهة يستحق أن يكون حاضرًا في صناعة السلام، والمجلس الانتقالي الجنوبي الذي يحمل القضية الجنوبية سياسيًا لا يمكن تجاوز الدور الذي يمثله في أي نقاش جاد حول مستقبل الجنوب.
لا سلام بتجاهل الجنوب، ولا تسوية عادلة بإقصاء قضيته، ولا مستقبل مستقرًا دون احترام إرادة أبنائه. فالجنوب ليس هامشًا في معادلة الحرب، ولا ينبغي أن يكون هامشًا في معادلة السلام.