اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

أوهام التمسك بالشمال

فضل الجعدي

تمثّل القراءة السطحية للحركة الحوثية أحد أكبر الأخطاء الجيوسياسية والعسكرية التي وقعت فيها العديد من القوى والمكونات في اليمن والمنطقة، فالتأمل مع هذا المشروع باعتباره مجرد حركة سياسية ذات مطالب محلية أو سلطة أمر واقع تبحث عن الاعتراف والتعايش يُعد سذاجة سياسية تغفل الطبيعة التأسيسية والفكرية لهذه الجماعة، والواقع الذي تؤكده الأدبيات الفكرية والمسار التاريخي والسلوكي للحوثيين يشير بشكل قاطع إلى أننا أمام مشروع طائفي، عقائدي، وتوسعي عابر للحدود، وأن الرهان على فكرة الاكتفاء بالشمال أو ترسيم حدود سابقة مع الجنوب هو رهان خاسر على سراب، فالحركة الحوثية تستند في صبغتها العقائدية إلى مفهوم الحاكمية والولاية الإلهية، وهي نظرية تتجاوز مفهوم الدولة الوطنية والحدود الجغرافية المتعارف عليها، إذ ترى أن الحاكمية حق حصري لسلالة معينة بناء على اصطفاء إلهي، وبما أن الولاية مفهوم ديني مطلق فإن شرعيتهم لا تتوقف عند حدود محافظة أو إقليم بل هي فريضة عقائدية لتوسيع نفوذهم ليشمل كافة أراضي اليمن وما بعدها، فضلا عن كون الحركة جزءا لا يتجزأ من عقيدة الإمامة والتمدد الإيراني في المنطقة، وهو ارتباط يجعل أجندتهم التوسعية مرتبطة باستراتيجية إقليمية أكبر لا تعترف بالحدود الوطنية ولا بالاتفاقيات المحلية.

ان من يقرأ تاريخ الجماعة وممارساتها يدرك تماما أن الجنوب يشكّل هدفا استراتيجيا وعقائديا وماديا رئيسيا للمشروع الحوثي، فهو يمتلك منافذ بحرية حيوية على بحر العرب والمحيط الهندي ومضيق باب المندب إلى جانب ثروات النفط والغاز، وبالنسبة لمشروع محاصر واقتصادي كالحوثي فإن السيطرة على الجنوب تعني الامساك بمنابع الثروة والتحكم المطلق بشرايين الملاحة الدولية لضمان استمرارية مشروعه، هذا فضلا عن أن بقاء الجنوب خارج سيطرته يعني بقاء مساحة مادية وسياسية مناوئة تهدد شرعيته المطلقة في حكم اليمن.

انه وعندما سيطر الحوثيون على صنعاء وبقية محافظات الشمال في عام 2014 لم يتوقفوا عند حدود الشمال بل زحفوا مباشرة بآلاتهم العسكرية نحو عدن ولحج والضالع وشبوة وأبين في عام 2015 استكمالا للسيطرة على كامل الجغرافيا، وما كسر هذه الميليشيات حينها سوى بفعل المقاومة المسلحة الجنوبية والدعم المباشر من التحالف العربي لا بسبب تراجع فكري حوثي، حيث تعتمد الاستراتيجية الحوثية في تعاملها مع الخصوم على مبدأ التكتيك والتقية السياسية، حيث قد يبدي الحوثي مرونة في التفاهمات أو يركز معاركه في جبهات معينة رغبة في إعادة ترتيب الركام وتأمين الجبهات الداخلية وتجميع القوى، مستغلا أي خلافات بين المكونات المناهضة له لينقض في الوقت المناسب، ذلك إن المشروع الحوثي مشروع شمولي لا يكتفي بالشراكة ولا يقبل بالتجاور السلمي ولا يعترف بأي حدود سياسية أو تاريخية، والرهان على أن حدود الجنوب خط أحمر لن يعبره الحوثي تلقائيا هو قراءة خاطئة تماما للواقع، فاستقرار الجنوب وأمنه لا يتحقق بالاطمئنان لجمود الجبهات بل بالاستعداد العسكري الدائم وتوحيد الجبهة الداخلية والإدراك التام لطبيعة عدو يرى في كل أرض لم يسيطر عليها بعد هدفا مشروعا يجب التمدد إليه .

زر الذهاب إلى الأعلى