تقرير| حين تتحول صواريخ الحوثي إلى اعتراف بالعجز عن حسم المعركة في الجبهات

النقابي الجنوبي/ متابعات
في تطور يعيد تسليط الضوء على طبيعة المواجهة العسكرية في اليمن، يثير استهداف الجنوب بالصواريخ من قبل جماعة الحوثي تساؤلات واسعة بشأن دلالات هذه الهجمات، وما إذا كانت تعكس تحولًا في مسار المواجهة، في ظل استمرار التعقيدات العسكرية والسياسية التي تشهدها البلاد. فبدلًا من تحقيق اختراقات حاسمة في الجبهات، تبرز الهجمات الصاروخية بوصفها أحد الخيارات التي تلجأ إليها الجماعة لتوسيع نطاق المواجهة وإيصال رسائل تتجاوز حدود الميدان العسكري.
ويرى مراقبون أن توجيه الصواريخ نحو الجنوب يمكن قراءته في سياق محاولات الضغط العسكري والنفسي، خصوصًا عندما تتعثر الخيارات الميدانية أو تواجه القوات المهاجمة صعوبات في تحقيق أهدافها. فالحروب لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ التي تُطلق أو باتساع رقعة الاستهداف، وإنما بمدى القدرة على تحقيق أهداف عسكرية واضحة، وتغيير موازين القوى على الأرض، وفرض وقائع جديدة يصعب تجاوزها.
ومن هذا المنطلق، يبرز تساؤل جوهري: هل تعكس الهجمات الصاروخية على الجنوب رغبة في توسيع دائرة المواجهة لتعويض تعثر العمليات البرية، أم أنها تأتي ضمن استراتيجية عسكرية تهدف إلى تشتيت الخصوم واستنزاف قدراتهم وإبقائهم تحت ضغط مستمر؟
تعثر الجبهات والبحث عن بدائل
تُعد الجبهات العسكرية المقياس الأهم لتقييم مسار أي مواجهة، إذ تكشف طبيعة التحركات الميدانية وحجم التقدم أو التراجع عن مدى قدرة الأطراف المتحاربة على تحقيق أهدافها. وفي الحالة اليمنية، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع الانقسامات السياسية والتحديات الاقتصادية والإنسانية، فإن اللجوء إلى الصواريخ قد يحمل أبعادًا تتجاوز الأثر العسكري المباشر.
فحين تعجز العمليات الميدانية عن إحداث تغيير حاسم، قد تتجه الأطراف المتحاربة إلى وسائل أخرى تتيح لها إظهار قدرتها على المبادرة، وفرض معادلات ضغط جديدة، وإبقاء خصومها في حالة استنفار. غير أن هذا التوجه لا يعني بالضرورة أن إطلاق الصواريخ دليل قاطع على الفشل في الجبهات، بل إن دلالته تتوقف على طبيعة العمليات المتزامنة، والنتائج المحققة على الأرض، والأهداف التي تسعى الجهة المنفذة إلى بلوغها.
ومع ذلك، فإن القراءة السياسية والعسكرية لهذه الهجمات تفتح الباب أمام تفسير يرى فيها محاولة لتعويض غياب الحسم الميداني، أو نقل المواجهة إلى ساحات أخرى بما يفرض أعباء إضافية على القوات المستهدفة. فبدلًا من التركيز على جبهة واحدة، يمكن لتوسيع نطاق التهديد أن يدفع الخصوم إلى توزيع قدراتهم الدفاعية والعسكرية على أكثر من اتجاه.
الجنوب في مرمى التصعيد
يمثل استهداف الجنوب بالصواريخ تطورًا يحمل أبعادًا عسكرية وسياسية وأمنية، لا سيما في ظل ما يترتب على الهجمات من مخاطر على المدنيين والمنشآت الحيوية والاستقرار العام. فالصواريخ لا تقف آثارها عند حدود المواقع العسكرية المحتملة، بل قد تمتد إلى الحياة اليومية للسكان، وتفاقم حالة القلق، وتزيد الضغوط على المؤسسات المعنية بحماية المناطق المستهدفة.
كما أن توسيع دائرة الاستهداف يضع الأطراف المعنية أمام تحديات إضافية تتعلق بتعزيز الدفاعات، ورفع مستوى الجاهزية، وتنسيق الجهود الأمنية والعسكرية. وفي الوقت ذاته، قد تسعى الجهة المنفذة من خلال هذه الهجمات إلى إيصال رسالة مفادها أنها لا تزال قادرة على الوصول إلى أهداف بعيدة نسبيًا، حتى في ظل ما قد تواجهه من صعوبات على بعض خطوط المواجهة.
لكن القدرة على إطلاق الصواريخ لا تعني بالضرورة امتلاك زمام المبادرة الاستراتيجية، مثلما أن إحداث حالة من القلق لا يُعد في حد ذاته انتصارًا عسكريًا. فالفارق كبير بين القدرة على تنفيذ هجوم، والقدرة على تحويله إلى مكاسب ميدانية وسياسية مستدامة.
بين الاستعراض العسكري وحسابات الميدان
في الحروب الحديثة، لا تنفصل العمليات العسكرية عن الرسائل الإعلامية والسياسية التي ترافقها. وقد تستخدم الأطراف المتحاربة الهجمات الصاروخية لإظهار القوة، ورفع معنويات أنصارها، والتأثير في حسابات خصومها، أو صرف الانتباه عن تطورات أخرى على الأرض.
ومن هنا، فإن استهداف الجنوب يمكن أن يُقرأ أيضًا بوصفه جزءًا من معركة أوسع على الإرادة والقدرة على الصمود، وليس مجرد عملية عسكرية منفصلة. فالهجمات التي لا تحقق نتائج استراتيجية واضحة قد تظل ذات قيمة دعائية أو نفسية لدى الجهة المنفذة، لكنها تبقى محدودة الأثر إذا لم تُترجم إلى تغيير فعلي في موازين القوى أو إلى تحقيق أهداف محددة.
وفي المقابل، فإن التعامل مع هذه الهجمات باعتبارها دليلًا نهائيًا على الفشل في الجبهات يحتاج إلى قرائن ميدانية موثوقة، مثل تعثر عمليات معلنة، أو فقدان مواقع استراتيجية، أو اضطرار القوات إلى تغيير خططها نتيجة ضغوط عسكرية متراكمة. ومن دون هذه المؤشرات، يظل الحديث عن العلاقة بين التصعيد الصاروخي والفشل الميداني قراءة تحليلية تحتاج إلى التحقق، لا حقيقة محسومة يمكن الجزم بها.
استهداف المدنيين لا يصنع انتصارًا
بعيدًا عن الحسابات العسكرية، تبقى حماية المدنيين المعيار الأهم في تقييم تداعيات أي تصعيد. فالهجمات الصاروخية التي تعرض السكان للخطر تفتح الباب أمام مزيد من التوتر، وتزيد احتمالات اتساع المواجهة، وتضعف فرص التهدئة في بلد أنهكته سنوات الحرب.
كما أن استمرار التصعيد يفرض على الأطراف المعنية مسؤوليات مضاعفة لتجنب تعريض المدنيين والمنشآت المدنية للأذى، والتعامل مع التهديدات وفقًا للقانون الدولي الإنساني، وتغليب التدابير التي تقلل الخسائر البشرية وتحول دون انزلاق الأوضاع إلى جولات أكثر اتساعًا.
ولا يمكن فصل الأثر الإنساني عن النتائج السياسية والعسكرية؛ فكلما ارتفعت كلفة المواجهة على السكان، ازدادت الحاجة إلى مقاربة توازن بين متطلبات الأمن وحماية الأرواح، بعيدًا عن تحويل المناطق السكنية إلى ساحات لتبادل الرسائل العسكرية.
الخلاصة: هل تكشف الصواريخ أزمة في حسابات المعركة؟
إن استهداف الجنوب بالصواريخ من قبل الحوثيين يطرح تساؤلات جدية بشأن أهداف التصعيد ودلالاته، خصوصًا إذا جاء في مرحلة تشهد فيها الجبهات تعثرًا أو غيابًا للتقدم الحاسم. وفي هذه الحالة، يمكن النظر إلى توسيع نطاق الهجمات باعتباره محاولة لفرض ضغوط إضافية وتعويض محدودية الخيارات الميدانية، أو وسيلة لإعادة ترتيب أوراق المواجهة وفق حسابات مختلفة.
غير أن الحكم على هذه الهجمات باعتبارها اعترافًا بالفشل يظل مرتبطًا بما تكشفه الوقائع العسكرية على الأرض، لا بمجرد إطلاق الصواريخ. فالمعيار الحقيقي يكمن في النتائج، وفي قدرة كل طرف على تحقيق أهدافه المعلنة، والحفاظ على مواقعه، وفرض معادلات قابلة للاستمرار.
وبينما تتواصل التحديات التي تفرضها الحرب على اليمنيين، يبقى السؤال الأهم: هل تقود هذه الهجمات إلى تغيير فعلي في مسار المعركة، أم أنها تزيد من اتساع دائرة التوتر من دون أن تحقق حسمًا على الأرض؟
في نهاية المطاف، لا تُحسم المعارك بكثافة النيران وحدها، ولا تتحقق الانتصارات بمجرد توسيع دائرة الاستهداف؛ بل تُقاس بوضوح الأهداف، وحجم الإنجاز الميداني، والقدرة على تحويل القوة العسكرية إلى نتائج ملموسة. أما الصواريخ التي تتجاوز جبهة إلى أخرى، فقد تكون مؤشرًا على تصعيد في الحسابات، لكنها تصبح دليلًا على الفشل أو النجاح إلا عندما تضعها الوقائع الميدانية في سياقها الصحيح.