بين وهم السيطرة الحوثية والواقع الجنوبي: رسالة صارمة للإقليم والعالم

بقلم: محمد علي محمد أحمد
في زحام الأزمة اليمنية وتداخل مساراتها العسكرية والسياسية، تتكشف استراتيجية جماعة الحوثي الانقلابية عن سلوك عسكري وسياسي يحمل في طياته أبعاداً تجاوزت حدود الصراع المحلي التقليدي.
والقراءة المتعمقة لطبيعة التحركات الحوثية الأخيرة تشير إلى أن هذه الجماعة الخارجة عن الخارطة السياسية والوطنية، والمصنفة إرهابياً، لا تخوض حرباً لمجرد البقاء، بل تعمل وفق هندسة قسرية تهدف إلى فرض واقع سيادي جديد، محلياً وإقليمياً ودولياً، وإرغام العالم على التعاطي معها كـ “طرف أساسي ومحوري” لا يمكن تجاوزُه.
ولتفكيك “رسائل الردع الحوثية” وأهداف فرض الأمر الواقع الذي تعتمد الجماعة الحوثية على توزيع أدوارها العسكرية لتحقيق غايات سياسية خبيثة، والتي تتلخص في الآتي:
1. تسعى الجماعة من خلال سيطرتها على ما تبقى من محافظات الشمال، إلى بناء مظلمة قومية وإرسال خطاب محلي مفاده أنها ليست تمثل شمال الشمال، بل الممثل الفعلي لشمال اليمن والمدافع عن أراضيه محولة القوة الغاشمة إلى أداة لشرعنة وجودها وتهميش أي خيار سياسي وطني.
2. في المقابل، تأتي الضربات والتحركات الحوثية الموجهة نحو المحافظات الجنوبية لتنفذ غاية استراتيجية أبعد أثراً؛ فهي ليست مجرد مناوشات عسكرية عابرة، أو كما تقول الجماعة لاستهداف القوات السعودية والأجنبية، بل رسالة سياسية متعددة الأطراف موجهة إلى الإقليم والمجتمع الدولي، فتريد الجماعة عبر هذه الضربات التأكيد على حقيقة مفادها،، إنها لا تطمح للانكفاء بالحدود الشمالية فقط، بل تمارس عملياً ما تعتبره “شرعية الدولة اليمنية الموحدة”.
ومن خلال خوضها مواجهة مباشرة ضد المشروع الجنوبي، تحاول تقديم نفسها كـ “الطرف الوحيد القادر على حماية وحدة الأراضي”، في مقابل “شرعية مقيمة في الخارج” تعجز بحسب القراءة الحوثية عن فرض نفوذها واستقرارها في الجنوب، فضلاً عن الشمال.
3. أمّا على صعيد الملف الحدودي واستهداف المناطق السعودية (عسير، نجران، وجازان)، فيمثل هذا المسار تحولاً خطيراً في إدارة إدارة الصراع، وتُدرك الجماعة أن تحويل الملف من نزاع داخلي إلى صراع بين “دولتين” يخلق ورقة ضغط استراتيجية وإرهابية على صانع القرار الإقليمي،
فـ الرسالة الحوثية هنا صريحة ومباشرة،، إما الذهاب نحو إنهاء الحرب والاعتراف بالواقع السياسي والشرعية الجديدة في صنعاء، أو الانزلاق نحو صراع إقليمي مباشر تُفتح فيه ملفات حقوقية وحدودية تاريخية.
4. أما الملف الاقتصادي والملاحة، فقد أدركت الجماعة مبكراً بأن عبره تستطيع خنق المنافسين وامتلاك أوراق القوة، وذلك في السيطرة على صنعاء ومؤسساتها الإيرادية والخدمية لتشكل نفوذاً متيناً، ومن خلال استهداف موانئ تصدير النفط والغاز في الجنوب وتثبيت معادلة الحظر الاقتصادي، استطاعت الجماعة تجفيف منابع دخل منافسيها وإظهار السلطات المعترف بها دولياً (الشرعية)، ككيانات عاجزة عن تقديم الخدمات، لترسل رسالة للقوى الدولية مفادها أن مركز الثقل المالي والإداري بات يكمن في صنعاء فقط، وكذا فعلت الجماعة بالممثل الوحيد للقضية الجنوبية وهو المجلس الانتقالي الجنوبي، والذي اصطدم بعد أن بسط يده على المحافظات الجنوبية، بعقبة كبيرة وملفات معقدة كالخدمات والمعاشات وتدهور العملة وغيرها من المعوقات.
إلا أن الرهان الجنوبي لم ولن يكون محصوراً في ورقة تُكتب في عاصمة أخرى أو مخرجات بيان قسري خضع لضغوط وافتقر لأبسط المعايير القانونية والأخلاقية، بل تستند إلى معادلة قوة حية وميدانية، كالحضور الطاغي والمؤثر الذي شاهده العالم للمجلس الانتقالي الجنوبي كممثل رسمي ووحيد للجنوب في وجدان المجتمع والساحات في عموم المحافظات الجنوبية.
كما أن القوة العسكرية الجنوبية لم تتلاشَى ولن تكسرها ضربات غير متوقعة؛ فالوحدات والتشكيلات الضاربة ما زالت محتفظة بكامل قوامها وعتادها وجاهزيتها، وقد تجسد هذا الحضور القوي لقاعدته الشعبية ولاستمرار نشاط قياداته الجنوبية ولقواتها المسلحة في كلمة رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي والقائد العام للقوات المسلحة الجنوبية عيدروس الزُبيدي، بمناسبة ذكرى ثورة 14 أكتوبر، حين وجّه بوضوح القوات المسلحة الجنوبية للتحرك وحماية حدود الجنوب، وهو ما تُرجم فوراً على خطوط النار بالذود عن حدود الأراضي الجنوبية، وتقديم الشهداء والجرحى.
ولو عملنا مقارنة ميدانية منصفة، لاكتشفنا حقيقة استراتيجية حالت دون حسم سردية (مطرقة الحوثيين) بحسب وصف السفير السعودي لهم مؤخراً ، وتهويل قدراتهم وإطالة أمد الحرب العبثية ضدهم، وعجز ما يسمى بـ (الجيش الوطني) في هزيمتهم طوال عقد ونيف، بالرغم من دعمه المفرط والمتواصل بالسلاح والمال من قبل التحالف دون تقديم أي نتائج إيجابية على الأرض بل على العكس تماماً كان من أهم الأسباب التي سمحت بتوسع رقعة سيطرة الجماعة و مدها بالقوة والعتاد وكل وسائل التمكين،وهو أمر طبيعي بالنظر إلى الديمغرافية المتصلة والمتأصلة في (بعض) المحافظات الشمالية، كما أن القبيلة لعبت دوراً محورياً في كسر إن لم يكن وأد حب الوطن والنزعة الوطنية وشرف العسكرية من وجدان المواطن والعسكري (القَبَلي)، إضافة إلى كل تلك الأسباب، فإن الحوثي يتحرك بدعم إقليمي وإيراني غير محدود من مال وسلاح وصواريخ وطائرات مسيرة وغيرها من الاسلحة والمعدات العسكرية.
في حين خاض ويخوض الجنوب وقواته المسلحة المعركة في ظل دعم معدوم أو شبه منعدم، وبرغم ذلك، أثبتت التجربة الميدانية أن القوات الجنوبية هي الجهة الوحيدة التي استطاعت كسره، وكسر شوكته، ودحره سواءاً من جميع المحافظات الجنوبية، أو في حماية الحدود البرية والمائية من تمدده، وهاهم اليوم يحققون الانتصارات تلو الانتصارات في الجبهات مع كل المخلصين الشرفاء من تشكيلات المقاومة ، ويقدمون التضحيات ببسالة وشجاعة، وعقيدة نقيّة خالصة، وبعزيمة وإقدام وثبات كالجبال الشامخة.
إن الجنوب اليوم يقدّم نفسه للإقليم والعالم، في ظل هذه الحرب المستعرة، باعتباره الحل الآمن والوحيد والشريك الصادق والقادر على تأمين الحدود البرية للإقليم لمنع تهريب السلاح والمخدرات، وتفكيك ودحر الجماعات والعناصر الإرهابية، وحماية الملاحة البحرية والدولية، وتأمين خطوط التجارة العالمية في مضيق باب المندب وكافة المنافذ والبحار المطلة والممتدة على حدوده الجنوبية.
ولتحقيق تلك المصالح المشتركة وضمان الأمن الإقليمي والدولي، فإن المعادلة باتت محسومة ولا تقبل التهميش أو المماطلة أو الممانعة، بل بدعمه، والاعتراف الرسمي الشجاع بحقه في استعادة دولته كاملة السيادة على حدود ما قبل عام 1990م، وذلك هو السبيل الوحيد والمضمون لتحقيق النصر الناجز وكسر شوكة المشروع الحوثي الإيراني وإحلال السلام المستدام في المنطقة .
خلاصة القول،، إن محاولات الحوثي كجماعة انقلابية وإرهابية فرض نفسه كطرف أساسي ورئيسي عبر إرهاب الإقليم والعالم، ستظل أوهاماً تصطدم بصخرة الجنوب الصلبة، بتمثيله السياسي (المجلس الانتقالي الجنوبي)، وبجيشه، وإرادة شعبه، وبكونه الصد المنيع أمام أطماع إيران، والرقم الأصعب الذي لا يمكن تجاوزه.
والكرة اليوم في ملعب الإقليم والعالم للاعتراف بالحقيقة ودعم الحليف الصادق إن أرادوا حسم المعركة وإلى الأبد