الشرعية تلعب بالبيضة والحجر .. والتحالف يشتري الوهم

كتب/د. ياسر باحاج
4اكتوبر2026
في مشهد بلادنا المعقد، لم تعد تفاصيل المعركة مجرد مواجهات عسكرية على الأرض، بل تحولت إلى استراتيجية لإطالة أمد الصراع من قبل أطراف استمرأت الوضع القائم، وتحت سقف هذا العبث، تبرز منظومة “الشرعية” كلاعب يتقن اللعب على الحبال والرقص فوق التناقضات، مستخدمة أسلوب “اللعب بالبيضة والحجر” للحفاظ على مصالح ضيقة، في وقت يبدو فيه التحالف العربي وكأنه يستمر في الاستثمار في وعود بائسة و”شراء الوهم” من منظومة أثبتت الوقائع عقمها. إن التدقيق في سلوك منظومة الشرعية الحالية يكشف بوضوح أن بوصلتها الحقيقية قد انحرفت منذ أمد بعيد عن معركة استعادة الدولة وإعانة المواطن المطحون، حيث تحول همّ المتنفذين في هذه المنظومة إلى جمع الأموال وتنمية الثروات الشخصية، وتعزيز الأرصدة في البنوك الخارجية، ويتجلى هذا الفساد الهيكلي في الإصرار المستميت على استمرار ما يُعرف بـ “كشف الإعاشة”، هذا الملف الذي أثقل كاهل ميزانية الدولة واستنزف مواردها الشحيحة، حيث تُصرف مبالغ طائلة بالعملة الصعبة لعناصر وقيادات تعيش في فنادق الخارج، دون تقديم أي مردود حقيقي على الأرض، بينما يعاني الداخل من انهيار اقتصادي غير مسبوق. وفي قرارة نفسها، لا تريد هذه المنظومة للحرب أن تنتهي؛ لأن نهاية الحرب تعني توقف تدفق الأموال وإغلاق صنابير المساعدات والامتيازات التي تدرها حالة “لا سلم ولا حرب”، ومن هنا، يتجنب قادة الشرعية بشكل متعمد أي صدام حقيقي أو حاسم مع جماعة الحوثي، فالأمر يتعدى مجرد التراخي العسكري، بل تشير الوقائع إلى أن منظومة الشرعية مخترقة في أعلى مستوياتها، ولا تخلو أروقتها من تخادم وتنسيق مصلحي غير معلن مع الحوثيين، وهو تخادم متبادل يضمن بقاء نفوذ الطرفين، ويحول دون أي تقدم حقيقي نحو إنهاء الانقلاب. وفي مقابل هذا التخاذل، ارتكب التحالف خطأً استراتيجيًا فادحًا بعد أحداث يناير، عندما سمح بإضعاف وتهميش حليفه الصادق والوحيد على الأرض، وهو الجنوب شعبًا وجيشًا وقيادة، حيث أثبتت القوات الجنوبية والمجلس الانتقالي أنهم القوة الفاعلة والأكثر جدية في مواجهة التمدد الحوثي والمشروع الإيراني، وحققوا الانتصارات الحقيقية؛ إلا أن حسابات التحالف الخاطئة جعلته يخسر هذا العمق الاستراتيجي الصادق لصالح المراهنة على قوى وهمية داخل الشرعية لا تملك حاضنة شعبية ولا إرادة قتالية. وإن استمرار الرهان على الشرعية بشكلها الحالي هو ضرب من الوهم السياسي والعسكري، فطالما بقيت هذه المنظومة ممسكة بزمام القرار، ومهتمة بنهب المال العام وتأمين امتيازات الفنادق، فلن يتحقق أي انتصار على الحوثي، كون الحسم يتطلب شجاعة لإعادة النظر في هيكل هذه الشرعية بالكامل، والاعتماد على القوى الحقيقية والصادقة في الميدان، وإلا فإن التحالف سيستمر في حصد الخيبات وشراء أوهام لن تنتج سوى مزيد من التمكين للحوثيين