اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

#الجنوب أمام اختبار المرحلة: هل تُنتج التحركات الجديدة تسوية أم تعيد تدوير الأزمة؟

بقلم د/ عامر الحريري

لا تبدو التطورات المتسارعة في المشهد الجنوبي مجرد تفاصيل عابرة؛ فعودة عبدالرحمن المحرمي إلى عدن قادمًا من الرياض، بالتزامن مع تحركات عسكرية ورفع مستوى الجاهزية، تفتح بابًا واسعًا أمام أسئلة سياسية تتجاوز شخص المحرمي نفسه إلى طبيعة المرحلة المقبلة ومآلات القضية الجنوبية.

وفي قراءة المشهد، ينبغي عدم الخلط بين عودة شخصية سياسية أو عسكرية إلى عدن وبين حدوث انفراج سياسي شامل. فالعودة بحد ذاتها واقعة، أما تفسيرها باعتبارها ثمرة تفاهمات سعودية–إماراتية أو مقدمة لتسوية نهائية للقضية الجنوبية، فلا يزال في دائرة التحليل والاستنتاج، خصوصًا مع غياب إعلان رسمي يوضح طبيعة الترتيبات التي رافقت هذه العودة.

المسألة الأهم هنا هي أن القضية الجنوبية لا تختزل في حركة الأشخاص بين الرياض وأبوظبي وعدن، ولا في ترتيبات مؤقتة بين القوى الإقليمية. فالاختبار الحقيقي لأي مسار سياسي هو مدى قدرته على التعامل مع المطالب الجنوبية بوصفها قضية سياسية ذات جذور وتراكمات، لا مجرد ملف أمني يمكن احتواؤه بإعادة توزيع المواقع والنفوذ.
ومن هذه الزاوية، فإن الحديث عن تقارب سعودي–إماراتي، متى ثبت وجوده في ملفات الجنوب، لا يعني تلقائيًا أن نتائجه ستتطابق مع تطلعات القوى الجنوبية المختلفة. فالدول تتحرك وفق مصالحها وحساباتها، بينما تظل الأولوية بالنسبة لأي قيادة جنوبية هي كيفية حماية القرار السياسي الجنوبي ومنع تحوله إلى مجرد ورقة في تفاهمات إقليمية أوسع.

كما أن ملف القيادات الجنوبية الموجودة في الرياض يظل عنصرًا حساسًا في المشهد. فقد تحدثت تقارير سابقة عن ترتيبات ومشاورات جنوبية في الرياض، كما عقد المحرمي في يوليو اجتماعات مرتبطة بالتحضير للحوار الجنوبي ووحدة الصف. لكن طبيعة وضع بعض القيادات وحرية حركتها وموقفها من الترتيبات الجديدة تبقى مسائل تحتاج إلى بيانات رسمية واضحة، لا إلى تسريبات أو روايات متعارضة.

والأكثر حساسية أن أي محاولة لإعادة ترتيب المشهد الجنوبي من بوابة القوة العسكرية وحدها قد تنتج هدوءًا مؤقتًا، لكنها لا تحسم أصل المشكلة السياسية. فالاستقرار الحقيقي يحتاج إلى توافق سياسي واضح، وإلى مشاركة القوى الجنوبية المعنية، وإلى ضمان ألا تتحول القوات الجنوبية إلى أدوات في صراعات تتجاوز القضية التي تشكلت للدفاع عنها.

ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة ستكشف أكثر مما ستخفي. فإذا تحولت عودة القيادات إلى مساحة للحوار وتوحيد الصف وإعادة بناء الثقة، فقد تكون بداية لمسار مختلف. أما إذا اقتصرت على إعادة توزيع الأدوار وإدارة الخلافات من خلف الستار، فإنها قد تؤجل الأزمة بدل أن تعالج جذورها.

أن الجنوب أمام اختبار سياسي لا يُقاس بعدد العائدين إلى عدن، ولا بعدد المغادرين من الرياض، وإنما بمدى حضور القرار الجنوبي في صناعة المرحلة المقبلة. فالأشخاص يتغيرون، والتحالفات تتبدل، لكن القضايا الكبرى لا تُحسم إلا عندما يصبح أصحابها طرفًا أصيلًا في تحديد مستقبلها

زر الذهاب إلى الأعلى