اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

الصبر الاستراتيجي على المذلة.. قراءة في خطاب مصطفى القطيبي وردود الفعل على تصريحات سعد العمري

 علي سيقلي

لأول مرة أفهم أن للمذلة استراتيجية، وأن للصبر عليها قاموسًا سياسيًا خاصًا، وأن أحدهم يستطيع أن يقف أمام كل هذا الخراب، ثم يطلب من الناس أن يسمّوا الانتظار الطويل «صبرًا استراتيجيًا».

هكذا خرج علينا مصطفى القطيبي، بجملة تصلح لأن تكون عنوانًا لمرحلة كاملة: الصبر الاستراتيجي.

والحقيقة أن العبارة أثارت فضولي أكثر مما أقنعتني؛ لأن الصبر على ماذا؟ وعلى من؟ وإلى متى؟

هل هو صبر على وطن يستعيد عافيته؟ أم صبر على مشروع سياسي يتقدم؟ أم صبر على معركة تُخاض من أجل الناس؟ أم أننا أمام نوع آخر من الصبر؛ صبر على الإقامة الطويلة خارج البلاد، وعلى امتداد سنوات الحرب، وعلى حياة سياسية كاملة تُدار من الفنادق والعواصم، بينما الوطن نفسه يتآكل من تحت أقدام أهله؟

هنا تصبح عبارة «الصبر الاستراتيجي» أكثر من مجرد تعبير سياسي؛ تصبح مظلة لغوية واسعة يمكن أن تختبئ تحتها مصائب كثيرة.

سعد العمري، الضابط السعودي المتقاعد، قال ما قاله بصراحة صادمة، ووضع أصبعه على موضع الألم مباشرة. ومن وجهة نظره، فإن سنوات طويلة من الاستضافة والدعم لم تُنتج ما كان يُنتظر منها، بل أنتجت طبقة سياسية تعيش خارج جغرافيا المعركة، وتتكلم باسم وطن تتآكل مؤسساته أمام أعين الجميع.

ولذلك، فإن المشكلة في كلام العمري ليست أنه قال شيئًا لم يكن يعرفه أحد، بل أنه قاله بالطريقة التي لا يحبها أصحاب الصالونات السياسية: مباشرة، بلا مساحيق، وبلا عبارات دبلوماسية.

ولهذا جاءت الردود مرتبكة. فبدلًا من الإجابة عن الأسئلة الثقيلة، جرى حشر بعض جمل الاستعطاف بين السطور، وكأن المطلوب من المتلقي أن يتأثر بالقصة الشخصية وينسى السؤال السياسي. لكن السياسة لا تُقاس بكمية الاستعطاف في الخطاب، وإنما بما تحقق على الأرض.

بل إن المثير للسخرية أن المعركة تبدو، في بعض الخطابات، وكأنها لم تعد معركة من أجل وطن، بل معركة من أجل إثبات أن سعد العمري مخطئ.

المفارقة الكبرى:
بلد يسقط، وهم يناقشون من أساء إليهم.
بلد يعاني، وهم يشرحون لماذا ينبغي أن نصبر.
بلد يحتاج إلى مشروع، وهم يقدمون لنا مصطلحًا جديدًا اسمه «الصبر الاستراتيجي».

الصبر جميل عندما يكون وراءه هدف، ويصبح عبئًا عندما يتحول إلى غطاء للعجز. والاستراتيجية عظيمة عندما تقود إلى نتيجة، لكنها تفقد معناها عندما تصبح مجرد اسم أنيق لانتظار لا نهاية له.

ولعل السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم ليس: لماذا هاجم سعد العمري هؤلاء؟ السؤال هو: ماذا تحقق بعد كل هذه السنوات؟ ماذا تغير في واقع الناس؟ أين الدولة التي يُفترض أن هؤلاء يمثلونها؟ وأين المشروع الذي يستحق كل هذا «الصبر الاستراتيجي»؟

إن كان كل ذلك لا يزال مؤجلًا، فربما نحتاج إلى قاموس جديد. فقد يكون ما يسمى «صبرًا استراتيجيًا» في حقيقته صبرًا على المذلة.

11 سنة كافية، وفق الطرح الذي أثاره العمري، لكي يسأل المستضيف ضيفه: ماذا بعد يا سلاتيح؟ فليس من الطبيعي أن تتحول الضيافة إلى إقامة دائمة، ولا أن يصبح الدعم الخارجي مصدر رزق سياسي مفتوحًا، ولا أن تبقى البلاد في حالة انهيار بينما يتنقل ممثلوها بين العواصم.

الوطن ليس فندقًا يُدار من الخارج. ولا الدولة منشورًا على منصة. ولا الشرعية لقبًا يُعلّق على الصدر ثم يُترك الوطن يبحث عن أصحابه.

ومن يملك مشروعًا حقيقيًا، فليذهب إلى الناس، وليقف بينهم، وليتحمل معهم مسؤولية ما يجري. أما أن يعيش الوطن أزمته، ثم يُطلب من الناس أن يصبروا على من يعيشون بعيدًا عنها، فهذه ليست استراتيجية. هذه إطالة عمر الأزمة باسم الصبر.

معركتهم اليوم مع سعد العمري، بينما معركة وطنهم ما زالت تنتظر. والانتظار، مهما ألبسوه من مصطلحات براقة، لا يصنع دولة. ولا يعيد وطنًا. ولا يحرر كرامة.

زر الذهاب إلى الأعلى