من يدفع ثمن الحروب.. ومن يحصد مكاسبها؟ تحليل سياسي وديني

بقلم/ الشيخ صالح صنيج
رئيس حلف قبائل محافظة الضالع
في عالم السياسة الدولية، لا تبدأ الحروب دائمًا حيث تبدأ المعارك، ولا تنتهي نتائجها عند توقف إطلاق النار. فخلف كل صراع حسابات سياسية واقتصادية وعسكرية، وخلف كل تحالف مصالح متشابكة، وفي كثير من الأحيان يكون السؤال الأهم ليس فقط: من انتصر في الحرب؟ بل: من استفاد منها؟
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة عدد من الأزمات والحروب التي شهدها العالم خلال السنوات الماضية من زاوية مختلفة؛ زاوية تبحث في المستفيدين من الصراع، وفي المصالح الاستراتيجية التي يمكن أن تتحقق من وراء استمرار الأزمات.
وفي مقدمة الدول التي تستحق الدراسة في هذا السياق تأتي الولايات المتحدة الأمريكية، باعتبارها القوة العسكرية والاقتصادية الأكثر حضورًا في النظام الدولي.
*أوكرانيا.. حرب أنهت تقاربًا وأعادت تشكيل أوروبا*
الحرب الروسية الأوكرانية لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بين موسكو وكييف، بل أحدثت تحولًا عميقًا في العلاقة بين روسيا وأوروبا.
قبل الحرب، كانت روسيا موردًا رئيسيًا للطاقة إلى أوروبا، وكانت المصالح الاقتصادية والتجارية المتبادلة تمثل أحد أهم جسور التواصل بين الطرفين. لكن اندلاع الحرب أدى إلى تراجع كبير في هذا الاعتماد، وفرض واقعًا جديدًا على القارة الأوروبية.
ومن وجهة نظر نقدية، يمكن القول إن الولايات المتحدة خرجت من هذا التحول بعدد من المكاسب الاستراتيجية. فأوروبا أصبحت أكثر اعتمادًا على المظلة الأمنية الأمريكية وحلف شمال الأطلسي، في الوقت الذي ارتفعت فيه ميزانيات الدفاع لدى عدد من الدول الأوروبية. كما فتحت إعادة بناء القدرات العسكرية الأوروبية سوقًا واسعة أمام شركات الصناعات الدفاعية، وفي مقدمتها الشركات الأمريكية.
أما في مجال الطاقة، فقد أدى تراجع الاعتماد الأوروبي على روسيا إلى البحث عن موردين بديلين، وكان الغاز الطبيعي المسال الأمريكي أحد المستفيدين من هذا التحول.
وهنا يبرز سؤال مشروع: هل كانت الولايات المتحدة مجرد طرف يتعامل مع نتائج الحرب، أم أنها كانت ترى في هذه التحولات فرصة استراتيجية يجب استثمارها؟
الإجابة عن هذا السؤال ليست بسيطة، ولا يمكن اختزالها في نظرية واحدة، لكن المؤكد أن الحرب أعادت تشكيل البيئة الأمنية والاقتصادية الأوروبية بصورة عززت أهمية الولايات المتحدة بالنسبة إلى حلفائها الأوروبيين. والأهم أن التقارب الروسي الأوروبي الذي كان قائمًا على المصالح الاقتصادية، خصوصًا في مجال الطاقة، تلقى ضربة كبيرة.
*إيران.. النووي هو العنوان، لكن الصراع أكبر من ذلك*
أما المواجهة مع إيران، فتبدو أكثر تعقيدًا. فالهدف المعلن للسياسة الأمريكية والإسرائيلية تجاه إيران ارتبط لسنوات بالبرنامج النووي الإيراني ومنع طهران من امتلاك سلاح نووي. لكن الصراع الإقليمي لا يتعلق بالملف النووي وحده.
إيران دولة ذات موقع جغرافي استراتيجي، وتملك احتياطيات ضخمة من النفط والغاز، وتمتلك نفوذًا واسعًا في المنطقة، كما ترتبط بعلاقات اقتصادية واستراتيجية مهمة مع الصين وروسيا.
ومن هنا، فإن إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية لا يعني فقط تقليص تهديد محتمل لإسرائيل، وإنما يمكن أن تكون له انعكاسات أوسع على ميزان القوى في الشرق الأوسط.
كما أن أي تراجع في صادرات النفط الإيرانية يمكن أن يؤثر في أسواق الطاقة، وفي قدرة الصين على الحصول على النفط الإيراني، وهو أمر له أهمية في ظل التنافس الأمريكي الصيني المتزايد.
ثم هناك عامل آخر لا يمكن تجاهله: مضيق هرمز. هذا الممر البحري يمثل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، وأي اضطراب كبير فيه يمكن أن ينعكس سريعًا على أسعار النفط وحركة التجارة العالمية. وبالتالي، فإن مجرد بقاء المنطقة في حالة توتر مستمر يجعل الطاقة والأمن والممرات البحرية جزءًا من معادلة استراتيجية شديدة التعقيد.
*اليمن.. حرب طويلة وموارد تستنزف*
وفي اليمن، تبدو الصورة أكثر مأساوية. الحرب التي بدأت عام 2015 تحولت إلى واحدة من أطول وأعقد الحروب في المنطقة، وتسببت في خسائر بشرية واقتصادية هائلة.
ومن منظور نقدي، يمكن طرح تساؤل حول طبيعة الدور الأمريكي في هذه الحرب، وحول مدى استفادة الولايات المتحدة وشركاتها من استمرار اعتماد دول المنطقة على السلاح والتكنولوجيا العسكرية الأمريكية.
فكلما طال أمد الصراع، ارتفعت الحاجة إلى الأسلحة والذخائر وأنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، وازدادت أهمية الشركات التي توفر هذه المنظومات. كما أن استنزاف الموارد المالية لدول المنطقة في الحروب والتسليح يطرح سؤالًا آخر يتعلق بمستقبل مشاريع التنمية والتحول الاقتصادي، ومن بينها مشروع «نيوم» والمشاريع السعودية المرتبطة برؤية 2030.
هل يمكن لحروب طويلة ومكلفة أن تؤثر في قدرة دول المنطقة على توجيه مواردها نحو التنمية والاستثمار؟ بالتأكيد يمكن ذلك. لكن القول إن هذه كانت بالضرورة الخطة الأمريكية المباشرة منذ البداية يحتاج إلى أدلة موثقة تتجاوز مجرد الاستنتاج السياسي.
*الحرب ليست فقط صواريخ ودبابات*
المشكلة في قراءة الحروب من منظور عسكري فقط أنها تخفي جانبًا مهمًا من الحقيقة. الحرب تعني أسواقًا للسلاح، وأسواقًا للطاقة، وممرات بحرية، وتحالفات جديدة، وعقوبات اقتصادية، وإعادة توزيع النفوذ، وإعادة رسم العلاقات بين الدول.
ولهذا فإن المستفيد من الحرب ليس بالضرورة هو الطرف الذي يربح المعركة عسكريًا. قد يكون المستفيد شركة سلاح، أو دولة مصدرة للطاقة، أو قوة عظمى تعزز تحالفاتها، أو طرفًا منافسًا ينجح في إضعاف خصم استراتيجي دون أن يخوض الحرب بنفسه. ومن هنا تأتي أهمية النظر إلى السياسة الدولية بعين المصالح، لا بعين الشعارات وحدها.
*أمريكا.. المستفيد دائمًا؟*
ليس من الدقة القول إن الولايات المتحدة تقف خلف كل أزمة أو حرب في العالم، أو أن كل صراع دولي هو نتيجة خطة أمريكية مسبقة. لكن من المشروع سياسيًا وأكاديميًا طرح سؤال مختلف: كيف تستفيد الولايات المتحدة من الأزمات عندما تقع؟
في حالات متعددة، يمكن رصد مصالح أمريكية واضحة: تعزيز التحالفات العسكرية، زيادة الإنفاق الدفاعي لدى الحلفاء، توسيع أسواق السلاح، تقليل اعتماد أوروبا على الطاقة الروسية، ومواجهة النفوذ الروسي والصيني في مناطق استراتيجية.
وهذا يقودنا إلى خلاصة أكثر أهمية من فكرة «من أشعل الحرب؟». ففي السياسة الدولية، لا يكفي أن نعرف من أطلق الرصاصة الأولى؛ بل علينا أن نعرف من تغيرت موازين القوة لصالحه بعد إطلاقها، ومن امتلك القدرة على تحويل الفوضى إلى نفوذ، والخوف إلى تحالفات، والحرب إلى أسواق ومصالح استراتيجية.
وربما يكون السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم: إذا كانت الشعوب هي التي تدفع ثمن الحروب بالدم والدمار والنزوح، فمن الذي يحصد مكاسبها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية؟
هذا السؤال لا يحتاج إلى إجابة عاطفية، وإنما إلى بحث في الوثائق، والأرقام، وصفقات السلاح، وتدفقات الطاقة، والتحالفات، والسياسات التي سبقت الحروب وتلتها.
ففي عالم المصالح، قد لا يكون المستفيد هو من بدأ الحرب، لكنه غالبًا هو من عرف كيف يستثمر نتائجها.
وفي الاخير اكتويناء بلهيب المعتقدات الدينية المتطرفة في الوطن العربي ودينات حول العالم سببها التططرف الاسلامي
ندفع ثمنها إلى اليوم
من سبب كل هذا اين حقوق الإنسان في كل ماء يحدث حول العالم من صرعات ؟