اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

معركة الأرض والهوية.. ولن يُمرر التوطين الممنهج على حساب الجنوب العربي

د. مريم العفيف

إن خوض معارك التحرير الوطني لا ينحصر فقط في مواجهة ترسانة العدو العسكرية وحشوده على الحدود والجبهات، بل يمتد إلى خوض أشرس المعارك في الميادين الناعمة والخفية التي تُصنع فيها مؤامرات “التدفيق الممنهج والتغيير الديموغرافي” لقهر إرادة الشعوب وتجريدها من أرضها وهويتها. وفي هذه اللحظة الفاصلة من تاريخ جنوبنا الحبيب، تبرز العاصمة الأبدية عدن وبقية المحافظات الجنوبية أمام مخطط استيطاني ناعم يتستر تحت شماعة “النزوح الإنساني”، بينما جوهره وأدواته يستهدفان أمننا القومي، وخدمات مواطنينا، والاستحقاق المصيري لشعب الجنوب العربي في استعادة دولته وفك الارتباط.
إن قراءة الواقع بوطنية جنوبية يفرض علينا تسمية الأمور بأسمائها الصريحة: إن ما شهده ويشهده الجنوب ليس نزوحاً عفوياً، بل هو سلاح استراتيجي وتكتيك متجدد يُدار منذ حرب 1994م، وتكرر بعد 2015م، وصولاً إلى الموجات الأخيرة. يهدف هذا التكتيك إلى خنق العاصمة عدن، وإنهاك المواطن الجنوبي في قوته وخدماته (كهرباء، مياه، سكن)، ثم فرض واقع ديموغرافي جديد يُلتف به على أي استحقاق سياسي أو استفتاء قادم لتقرير المصير.
أولاً: كشف أوراق التوطين – التصنيف الوطني للكتل الوافدة
تُظهر المتابعة الميدانية الدقيقة في أحياء العاصمة عدن ولحج وأبين وشبوة أن هذه الكتل لم تعد مجرد أسر فارّة من بطش الميليشيات، بل أصبحت تنقسم إلى ثلاثة أنماط خطيرة تستدعي الرد المباشر.
1. غلاف المخيمات والإغاثة الدولية:
تُستغل هذه المخيمات التي ترعاها المنظمات لاستحداث أحزمة عشوائية وثابتة، تلتهم خدمات الجنوب، وتُحرم المجتمع المستضيف والمواطن الجنوبي الأصلي من أشكال الدعم المتكاملة.
2. الاستيطان العقاري والمالي الممكن:
من خلال فئة متمولة ورؤوس أموال دخيلة تمكنت في فترة وجيزة من السكن في أرقى الأحياء، وشراء العقارات والمنازل بأسعار خيالية، وامتلاك السيارات الفارهة. إن هؤلاء يشكلون رأس حربة “التوطين المالي” الذي طرد المواطن الجنوبي من القدرة على الاستئجار والسكن في أرضه، وفرض اختراقاً خطيراً لأسوقنا واقتصادنا.
3. التغلغل والذوبان الديموغرافي السريع:
عبر مجموعات تتغلغل في النسيج الاجتماعي والأنشطة اليومية دون مسح أمني أو حصر بيومتري، للرهان عليها مستقبلاً كـ “كتلة ناخبة موطنة” تُستخدم لتعطيل إعلان الدولة وإرباك المشهد السياسي الجنوبي.
ثانياً: الصرامة السيادية – لا مساومة على أمن الجنوب وديموغرافيته
إن الرد الجنوبي الحاسم على كل من يحاول تكبيل يد المجلس الانتقالي الجنوبي بزعم أنه “حامل سياسي ولا شأن له بالإدارة”: إن حماية أرض الجنوب، وتأمين عاصمته عدن، وصون تركيبته الديموغرافية هي مسألة أمن قومي وسيادي عليا تقع في صلب التفويض الشعبي والواجب الوطني.

وحين تتراخى الحكومات المتعاقبة وتصمت عن إنهاك الشارع الجنوبي، فإن القيادة السياسية والقوات المسلحة والأجهزة الأمنية الجنوبية، يمتلكون الحق القانوني والشرعي الكامل لفرض الخطوط الحمراء وحماية الحاضنة الشعبية بكل الأساليب السيادية .
ثالثاً: القرارات السيادية العاجلة لحماية الجنوب
لا مهادنة مع أي مشروع يستهدف هوية أرضنا، والتطبيق الميداني المباشر يقتضي الآتي:
– إعلان حظر التوطين والملكية العقارية:تجميد كافة المعاملات والمبيعات العقارية المشبوهة، ومنع التمليك أو البيع لغير أبناء الجنوب خلال هذه المرحلة المصيرية.
– إخلاء العاصمة والمدن الرئيسية: نقل كافة التجمعات والمخيمات العشوائية إلى مراكز إيواء وتجميع مؤقتة ومغلقة على الشريط الحدودي أو داخل المناطق الشمالية الآمنة، تحت حراسة أمنية جنوبية وإشراف إغاثي دولي.
– الحوكمة الرقمية والمسح الأمني البيومتري: إنشاء قاعدة بيانات رقمية موحدة تحت إشراف القوات المسلحة والأجهزة الأمنية الجنوبية، وتدقيق هويات كافة الوافدين، وفرض رقابة مصرفية صارمة لمنع ضخ الأموال المشبوهة في المضاربة العقارية.
– إسقاط الحقوق السياسية والديموغرافية: النص القانوني القاطع بأن حالة النزوح طارئة ولا تُكسب أي حق في المواطنة أو الإقامة الدائمة، ومسح هذه الأسماء كلياً من أي سجلات إحصائية أو انتخابية تخص حق تقرير المصير واستعادة دولة الجنوب العربي.
– إن العمل الإنساني قيمة نعتز بها، لكننا لن نكون ضحية لـ “إنسانية مسمومة” تُستخدم كغطاء لتمرير التوطين واحتلال الأرض بالديموغرافيا. إن جنوبنا حُر وأرضه طاهرة ودماء شهداء القوات المسلحة الجنوبية خط أحمر، ولن تزيدنا هذه المؤامرات إلا إصراراً على حماية العاصمة عدن وتثبيت معالم دولة الجنوب العربي.
وإنني إذ أُوجّه هذه الرسالة النازفة بوجع الشارع والمُحَصَّنة بإرادة التحرير، فإنما أرسلها إلى ضمير الإنسان الجنوبي الحُر قبل غيره؛ لنُسقط معاً غشاوة التضليل ولنؤكد للعالم أجمع أن “الأنسنة” لا تعني التعاطف المطلق الذي يذبح الأوطان، وأن الواجب الإنساني لم ولن يكون يوماً مبرراً للتخلي عن الواجب الوطني المقدس. إن الجنوب —أرضاً وإنساناً، وتاريخاً وهوية— قد دفع من دماء زكية لشهداء القوات المسلحة الجنوبية وأعصاب أبنائه الصابرين ضريبةً باهظة وقاسية جراء هذه التحركات الممنهجة، ولن يُسمح اليوم لشرعية الزيف أو الإنسانية المسمومة أن تقايض على جغرافيا عمدتها الدماء. ستظل عدن ثغرة عصية على الانكسار، وستبقى أرض الجنوب ملكاً لأهلها الشرفاء.. فلا مساومة على التراب، ولا تفريط في الهوية، ولن يصح في النهاية إلا الحق الجنوبي الناجز في استعادة دولتنا الجنوبية المستقلة.

زر الذهاب إلى الأعلى